آفة الفتور في حياتنا .. الظواهر والأسباب

الرئيسية » بصائر تربوية » آفة الفتور في حياتنا .. الظواهر والأسباب
waqt

"إنَّ الداعية الإيجابي هو مسلم ذو قبضة حديدية؛ يقول: ينبغي أن يكون هذا.. بعزم، وحزم، وإرادة لامعة؛ فيكون بإذن الله. إذا قال: فَعَل، وإذا نوى اقتحم، وله ميراث من نبي الله يحيى عليه السّلام {يا يحيى خذ الكتاب بقوّة}".. لكنَّه إنسان تعتريه صفات البشر، يخطئ ويصيب، وتعتريه الأمراض والأعراض في القلوب والأجسام.. ومن هذه الآفات التي تصيب الداعية في مسيرته الدعوية وعمله الدؤوب في تأديتها.. آفة الفتور.. بعد أن كان نشيطاً مثابراً.. ليصبح مغبوناً وهو يملك الصحة والفراغ، قال صلّى الله عليه سلم: ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس؛ الصحة والفراغ)). ذلك أن احتفاظ المؤمن عموماً والأخ والداعية على وجه الخصوص بصحة وفراغ دون عمل غبن كبير، وسلبية مفرطة.

وكما يقول الرّاشد في كتابه (الإيجابية): (ويبقى العامل المهم في حياة الدعاة، وهو الاحتفاظ بالهمَّة، وكان الجنيد البغدادي -رحمه الله- يوصي الداعية بذلك.. فيقول: (عليك بحفظ الهمّة، فإنَّ الهمّة مقدّمة الأشياء).. وحتى لا تقع في شَرك الفتور!!

ما الفتور؟

الفتور في اللغة على معنيين: الأوَّل: الانقطاع بعد الاستمرار، أو السكون بعد الحركة.

الثاني: الكسل أو التراخي، أو التباطؤ بعد النشاط والجد، قال ابن منظور في لسان العرب: "وفتر الشيء، والحرُّ، وفلان يفتر فتوراً، وفُتَاراً: أي سكن بعد حدَّة، ولان بعد شدَّة".

أمَّا في الاصطلاح: فالفتور داء يصيب بعض المسلمين عموماً وكذا بعض الدعاة العاملين، ويتراوح بين الكسل والتراخي والتباطؤ، وقد يصل بهم إلى الانقطاع والسكون التام بعد النشاط الدؤوب.

هل اعتراك شيءٌ من هذا؟

كثرة الاعتذارات عن التكاليف الدعوية، والتماس الأعذار من أجل الفكاك منها، وكثرة تأجيل المهام والأمور الدعوية، ومنها عدم الإتقان في أداء هذه الوظيفة الدعوية، والتكاسل والتباطؤ في التنفيذ، فما يمكن إنجازه في يوم ينجز في أسبوع أو أكثر، ومنها كثرة الاختلافات مع الأقران بسبب ضعف الأداء الدعوي والتقصير في التكاليف ممَّا يؤدّي لنشوب خلافات مع رفقاء الطريق، ومنها الانغماس في الأمور الدنيوية، حيث يعطي الدنيا الوقت الذي كان يعطيه للدعوة، وغير ذلك كثير من العوارض التي نستطيع أن نردها لتسرب هذا المرض الضار إلى نفوس وقلوب بعض الدعاة.. هذه بعض مظاهر آفة الفتور، فإذا اعتراك بعضٌ منها..

"من أسباب الفتور: مفارقة الجماعة، وإيثار حياة العزلة: ذلك أن الطريق طويلة، متعددة المراحل، كثيرة العقبات في حاجة إلى تجديد، فإذا سارها المسلم مع الجماعة، وجد نفسه دوماً، متجدد النشاط، قويّ الإرادة"

فتّش عن الأسباب:

يقول الدكتور السيد محمد نوح في كتابه (آفات على الطريق): ويمكن أن يدخل الفتور إلى النفس بسبب من الأسباب التالية:

  1. الغلو والتشدد في الدّين: بالانهماك في الطاعات وحرمان البدن حقه من الراحة والطيبات فإن هذا من شأنه أن يؤدّي إلى الضعف أو السأم والملل، وبالتالي: الانقطاع والترك، بل ربّما أدّى إلى سلوك طريق أخرى عكس الطريق التي كان عليها فينتقل العامل من الإفراط إلى التفريط ومن التشدد إلى التسيب وهذا أمر بديهي إذ للإنسان طاقة محدودة فإذا تجاوزها اعتراه الفتور فيكسل أو ينقطع، ولعل ذلك هو السر في تحذير الإسلام الشديد ونهيه الصريح عن الغلو.
  2. السرف ومجاوزة الحد في تعاطى المباحات: فإنَّ هذا من شأنه أن يؤدّي إلى السمنة وضخامة البدن، وسيطرة الشهوات، وبالتالي التثاقل، والكسل والتراخي، إن لم يكن الانقطاع والقعود، ولعل ذلك هو السر في نهي الله ورسوله، وتحذيرهما من السرف، قال الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}. ]الأعراف:31].
  3. مفارقة الجماعة، وإيثار حياة العزلة والتفرد: ذلك أن الطريق طويلة الأبعاد، متعددة المراحل، كثيرة العقبات في حاجة إلى تجديد، فإذا سارها المسلم مع الجماعة، وجد نفسه دوماً، متجدد النشاط، قويّ الإرادة، صادق العزيمة، أمَّا إذا شذّ عن الجماعة وفارقها، فإنه سيفقد من يجدد نشاطه، ويقوّي إرادته، ويحرّك همَّته، ويذكره بربه فيسأم ويمل، وبالتالي يتراخى ويتباطأ، إن لم ينقطع ويقعد.
  4. قلّة تذكّر الموت والدار الآخرة: فإنَّ ذلك من شأنه أن يؤدّي إلى فتور الإرادة، وضعف العزيمة، وبطء النشاط والحركة، بل قد يؤدّي إلى الوقوف والانقطاع، ولعلنا في ضوء هذا نفهم الحكمة من أمره عليه الصَّلاة والسَّلام بزيارة القبور بعد النهي والتحذير.
  5. التقصير في عمل اليوم والليلة: مثل النوم عن الصلاة المكتوبة بسبب السمر الذي لا مبرّر له بعد العشاء، ومثل إهمال بعض النوافل الراتبة، وترك قيام الليل، أو صلاة الضحى، أو تلاوة القرآن، أو الذكر أو الدعاء، أو الاستغفار، أو التخلف عن الذهاب إلى المسجد، أو عدم حضور الجماعة بدون عذر، فكل ذلك وأمثاله له عقوبات، وأدنى هذه العقوبات: الفتور بأن يكسل ويتثاقل أو ينقطع ويتوقف.
  6. دخول جوفه شئ محرم أو به شبهة: إمَّا بسبب تقصيره وعدم إتقانه للعمل اليومي الذي يتعيش منه، وإمَّا بسبب تعامله فيما نسمّيه شبهة، وإمَّا بسبب غير ذلك، فمثل هذا يعاقب من سيّده ومولاه، وأدنى عقاب في الدنيا، أن يفتر فيقعد ويرقد عن الطاعات، أو على الأقل يكسل ويتثاقل فلا يجد للقيام لذة، ولا للمناجاة حلاوة.
  7. اقتصار العامل على جانب واحد من جوانب الدين: كأن يجعل همه العقيدة فحسب، ملغياً كل شيء غيرها من حسابه، أو يجعل همّه الشعائر التعبدية، تاركاً كل ما سواها، أو يقتصر على فعل الخيرات وراعية الآداب الاجتماعية، غاضاً الطرف عما عداها فكل هؤلاء وأمثالهم تأتى عليهم أوقات يصابون فيها لا محالة بالفتور، وهذا أمر بديهي، نظراً لأنَّ دين الله موضوع لاستيعاب الحياة كلّها، فإذا اقتصر واحد من الناس على بعضه فكأنما أراد أن يحيا بعض الحياة، لا كل الحياة، ثمَّ إذا بلغ الذروة في هذا البعض يتساءل: وماذا بعد؟ فلا يجد جواباً سوى الفتور إمَّا بالعجز وإمَّا بالكسل.
  8. الغفلة عن سنن الله في الكون والحياة: فإنَّنا نرى صنفاً من العاملين لدين الله يريد أن يغيّر المجتمع كله، أفكاره ومشاعره، وتقاليده وأخلاقه وأنظمته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في يوم وليلة بأساليب ووسائل هي إلى الوهم والخيال أقرب منها إلى الحقيقة والواقع، مع شجاعة وجرأة وفية، لا تستكثر تضحية وإن غلت، ولا تعبأ بالموت سعت إليه أو سعى إليها، ولا تهتم بالنتائج أياً كانت، ما دامت نيتها لله، وما دام هدفها إعلاء كلمة الله، غير واضعين في حسابهم سنن الله في الكون والحياة: من ضرورة التدرج في العمل، ومن أن الغلبة إنما تكون للأتقى، فإذا لم يكن فللأقوى، ومن أن لكل شئ أجلا مسمّى لا يقدم ولا يؤخر.
  9. التقصير في حق البدن بسبب ضخامة الأعباء وكثرة الواجبات وقلّة العاملين: ذلك أننا نجد بعض العاملين ينفقون كل ما يملكون من جهد ووقت وطاقة في سبيل خدمة هذا الدين، ضانين على أنفسهم بقليل الراحة والترويح فهؤلاء وأمثالهم، وإن كانوا معذورين بسبب ضخامة الأعباء، وكثرة الواجبات وقلة العاملين، إلا أنه تأتى عليهم أوقات يفترون عن العمل لا محالة.
  10. عدم الاستعداد لمواجهة معوّقات الطريق: ذلك أننا نجد بعض العاملين يبدؤون السير في الطريق دون أن يقفوا على معوّقاته، من زوجة أو ولد، أو إقبال دنيا، أو امتحان، أو ابتلاء، أو نحو ذلك، وبالتالي لا يأخذون أهبتهم، ولا استعدادهم، وقد يحدث أن يصدموا أثناء السير بهذه المعوقات، أو ببعضها، فإذا هم يعجزون عن مواجهتها، فيفترون عن العمل إما بالكسل والتراخي، وإما بالوقوف والانقطاع.
  11. صحبة ذوي الإرادات الضعيفة والهمم الدانية: فقد يحدث أن يصحب العامل نفراً ممَّن لهم ذيوع وشهرة، وحين يقترب منهم ويعايشهم يراهم خاوين فاترين في العمل، كالطبل الأجوف، فإن مضى معهم عدوه -كما يعدى الصّحيحَ الأجربُ- بالفتور والكسل. وهذا هو سرّ تأكيده عليه الصّلاة والسَّلام على ضرورة انتقاء واصطفاء الصاحب، إذ يقول: ((المرء على دين خليله فلينظر أحدكم إلى من يخالل)).
  12. العفوية في العمل سواء على المستوى الفردي أو الجماعي: ذلك أنَّ كثيراً من العاملين أفراداً كانوا أو جماعات يمارسون العمل لدين الله بصورة عفوية لا تتبع منهجاً، ولا تعرف نظاماً، فيقدمون الأمور الثانوية أو التي ليست بذي بال، ويؤخرون بل ويهملون الأمور الرئيسية والتي لابد منها من أجل التمكين لدين الله، وهذا يؤدّي إلى أن تطول الطريق وتكثر التكاليف والتضحيات، فيكون الفتور غالباً، إن لم تتدخل يد الله بالرعاية والتأييد والثبات.
  13. الوقوع في المعاصي والسيّئات ولاسيّما صغائر الذنوب مع الاستهانة بها: فإنَّ ذلك ينتهي بالعامل لا محالة إلى الفتور، وصدق الله الذي يقول: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}.[الشورى:30].

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

16 شيئاً لا تَقُله أبداً لطفلك

الأبوة والأمومة مهمة صعبة ولا يمكن إنكار ذلك، وهي وظيفة يمكنها في كثير من الأحيان …