أحمد ياسين.. رائد التضحية والجهاد والمنهج

الرئيسية » خواطر تربوية » أحمد ياسين.. رائد التضحية والجهاد والمنهج
أحـمد-يـاسين

أعوام عديدة مرت على استشهاد شيخ فلسطين، ومجدد ثورتها الشيخ أحمد ياسين –رحمه الله-، حيث اغتالته يد الغدر الصهيونية الجبانة بعد خروجه من المسجد وأدائه لصلاة الفجر.

كانت دولة الاحتلال الصهيوني تدرك إدراكاً تاماً، أن أحمد ياسين يمثل –رغم ما يعانيه من مرض وضعف- أيقونة واضحة للمقاومة الفلسطينية، ورمزاً لاستمرار وهجها، وقوة ضرباتها ضد العدو الصهيوني.

يمثل الشيخ ياسين أسطورة فلسطينية رائعة، إذ كان يمتلك روحاً تواقة للحرية، تفوق أرواح الآلاف من الأصحاء، وفي الوقت نفسه كانت له عزيمة قوية جعلته يصمد أمام كل المعوقات التي واجهته، سواء أكانت بالاعتقال المتكرر وطول فتراته، أو عبر ممارسة التعذيب البدني والنفسي بحقه.

أحمد ياسين، كان رائداً على جميع الصعد، رائداً في التضحية والمصابرة، وفي الوقت نفسه في التأطير والتأصيل الفكري للقضية، ورسم الخطوط العامة للمقاومة والجهاد، حتى الوصول إلى الهدف الأهم المتمثل بتحرير فلسطين من بحرها إلى نهرها.

لقد أصّل الشيخ الشهيد لدى شعبنا مبدأ مهماً، أن لا أحد معذور من خدمة قضتيه الأولى والأهم، وهي طرد المحتل وتحرير الأرض، فهو لم يرد أن يكتف بحالته البدنية والصحية، بل يبادر برسم المنهج البيّن نحو هدف كل فلسطيني حر، ثم يكون من أوائل السائرين عليه.

أصّل الشيخ الشهيد لدى شعبنا مبدأ مهماً، أن لا أحد معذور من خدمة قضيته الأولى والأهم، وهي طرد المحتل وتحرير الأرض

إن دراسة متأنية لحياة الشيخ وتضحياته ورؤيته، توصلنا إلى مجموعة من الحقائق والدروس المتمثلة بالآتي:

أولاً: أهمية التغيير والتعبئة لعامة الشعب، حتى يكونوا قابلين للانخراط في الاتجاه الذي يقصده. فالشيخ لم يبتدئ الأمر بالدعوة إلى الجهاد والمقاومة، بل كانت بداية منهجه متمثلة بالإصلاح بين الناس، ونشر دعوة الخير فيهم، حتى بات رمزاً شعبياً ودعوياً داخل القطاع، وأصبحت كلمته مسموعة بين الناس، بالإضافة إلى كسبه ثقة الناس واحترامهم. وهو المنهج الذي لابد أن ينتبه إليه الدعاة والمصلحون، ألا يقتصر تعاملنا مع الناس على الخطاب السياسي فحسب، بل العمل على كل ما يخدم الناس ويحقق اللحمة والثقة بين الحركة الإسلامية وفئات الشعب المختلفة.

ثانياً: أهمية العمل الجماعي لمواصلة المسير نحو تحقيق الأهداف المرجوة. فقد كان بإمكان الشيخ أن يقتصر دوره على العمل الدعوي، والخطابة والوعظ، فينال الشهرة والمديح والمكانة الرفعية. لكنه كان يدرك أن هدف تحرير فلسطين يحتاج إلى الجمع بين الوعظ والإعداد، والإصلاح وحمل السلاح، والابتلاء والتضحية والجهاد، فكان إنشاؤه لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" ليتم توزيع الأدوار والمهام، ويعين كل من الأفراد بقية إخوانه، وحتى لا يتوقف المسير نحو الغاية والهدف باعتقال فرد أو استشهاده.

كان الشيخ المؤسس يدرك أن الوقوف في وجه المحتل بالسلاح والاشتباك معه يحتاج إلى زاد يثبت عزيمة الأفراد، ويحمي بوصلتهم من الانحراف والضياع

ثالثاً: الاهتمام بالجانب التربوي والإيماني، بالإضافة إلى الجانب الفكري. فقد كان الشيخ المؤسس يدرك أن الوقوف في وجه المحتل بالسلاح والاشتباك معه يحتاج إلى زاد يثبت عزيمة الأفراد، ويحمي بوصلتهم من الانحراف والضياع، رغم كل الظروف التي تمر بهم، وفي الوقت نفسه يجعل جهادهم صحيحاً ومقاومتهم راشدة. لذا كان يزرع في نفوس الأفراد القيم التربوية والإيمانية، مقتدياً بالمنهج النبوي الشريف في التغيير والتربية، حتى الوصول إلى مرحلة الجهاد وقيام الدولة. وهذا الأمر يؤكد على أن لا قيمة لأي قتال دون وجود زاد إيماني، يجعل السائر فيه عصياً على السقوط والهزيمة والتخاذل، وينال رضا الله وتأييده وتوفيقه.

رابعاً: تحديد الأهداف والثوابت المتعلقة بالقضية، فالشيخ الشهيد كان يعلّم الجميع أن لا بديل عن فلسطين وتحريرها بكافة مدنها وقراها. لذا كان يذكّر بهذا الأمر في كل مناسبة وحين، رغم ما عانته الحركة وما واجهته من عراقيل ومعوقات، الأمر الذي جعل قادة الحركة يتمسكون بذات النهج بعد استشهاده. ويسجل لحماس وقادتها عدم التفريط بالثوابت التي أعلنها الشيخ ياسين ومن معه لحظة تأسيس الحركة قبل عقود، وبقيت الحركة ثابتة على هذه المبادئ والثوابت رغم كل ما مرت به، سواء بفوزها في الانتخابات الفلسطينية وإدارتها لشؤون الحكم، أو أثناء الحصار الغاشم والمواجهة المسلحة مع العدو، أو حتى في ظل المتغيرات التي صاحبت الربيع العربي وما أفرزه من وقائع جديدة وتحديات مختلفة. فبوصلة حماس بقيت ثابتة على ما أسست عليه، لم تغيّر نهجها، أو تتنكب طريقها.

خامساً: عدم اليأس والإحباط، والتوكل على الله وطلب التوفيق منه، والأخذ بالأسباب المادية واستفراغ الوسع في الوصول إلى الغاية والهدف. فالشيخ بدأ العمل في ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد. وبغض النظر عن الظرف الإقليمي الراهن آنذاك، فإن الأوضاع الداخلية، وغياب روح التدين والجهاد لدى الكثير من أبناء شعبنا الفلسطيني، كان كفيلاً بإحباط كل من يفكر بسلوك هذا النهج.

من يريد الوصول إلى تحرير وطنه من المحتل، لابد أن تكون لدى نفسه مناعة ضد اليأس والإحباط، وتسخير كل الظروف والعوائق لما يحقق خدمة الهدف الأسمى

إن من يريد الوصول إلى تحرير وطنه من المحتل، لابد أن تكون لدى نفسه مناعة ضد اليأس والإحباط، وتسخير كل الظروف والعوائق لما يحقق خدمة الهدف الأسمى، وهو ما أحسن الشيخ الشهيد استغلاله، إذ كان يسخر كل ما يمر به من وقت في خدمة القضية، حتى وقت سجنه وتعرضه للأذى والتعذيب بداخله.

ختاماً.. صحيح أن الشيخ قد رحل ونال ما تمناه بالحصول على الشهادة في سبيل الله، إلا أن آثاره وتضحياته ما زالت حية في وجدان شعبنا الفلسطيني، فأحمد ياسين لا يمثل مفخرة لحماس فحسب، بل لكل فلسطيني يسعى لتطهير وطنه من دنس الصهاينة، ولكل مسلم حر يرفض الخنوع والذل والهوان.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

7 تعليقات على هامش الانتخابات الأمريكية

(1) الحرية غالية، ولذلك لا بد أن يُدفع فيها ثمن غال، وقد دفع الأمريكيون ثمنا …