الإسلام فجر الكادحين

الرئيسية » خواطر تربوية » الإسلام فجر الكادحين
حرية5

قال الله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)} [سورة البقرة].

بعث الله تعالى الرسل للبشرية برسالة العدل والحرية؛ ذلك أن الناس إذا تُركوا بغير توحيد وعبودية لله، فإنهم سيأكلون بعضهم، وسيتفنن المستكبرون في استعباد البشر الآخرين، وهذا ما كان: فكلما حاد البشر عن منهج العدل والحرية توغلوا أكثر في غياهب الاستبداد والظلم والطبقية البغيضة.

وعلى مر التاريخ وقف الدعاة والمصلحون في وجه الظلم الاجتماعي الذي مارسه الطغاة، وقد سطّر لنا القرآن جوانب كثيرةً من هذا الصراع الكبير، وبيّن لنا المشقة البالغة التي تكبّدها المصلحون في سبيل إخراج البشر من العبودية للبشر إلى الحياة المفعمة بالحرية في ظل رب البشر.

والقارئ للقرآن الكريم سيقف بلا عناء على تكرار قصة المصلح الكبير موسى عليه السلام: الذي وقف شامخًا في وجه الطاغية الكبير فرعون، موسى وفرعون: ظاهرتان متلازمتان متضادتان، تتكرران خلال الزمان.

ما أراده موسى عليه السلام، هو: إخراج قومه من سطوة العبودية لفرعون وملإه. وما أراده فرعون، هو: الحفاظ على سلطانه الذي بناه على الأجساد المحطمة للبؤساء، ولكل واحد فيهما أتباع ومريدون، لكن أتباع الحق هم القلة دائمًا، وأتباعَ الباطل هم الكثرة كالعادة.

قال الله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29)} {سورة الشعراء}.

" لا مكان لمشروع بلا معالم فكريةٍ، ولا مجال لتطبيق الأفكار بلا رجال يتمثلون هذه الأفكار، ويحملون المشروع على أكتافهم"

حتى وصل المشروع الكبير إلى صورته النهائية الواضحة، تحمل أفكاره آيات القرآن الكريم، ويحمل أعباءه الرجال العظماء: رسول الله وصحبه وأولياؤه؛ فلا مكان لمشروع بلا معالم فكريةٍ، ولا مجال لتطبيق الأفكار بلا رجال يتمثلون هذه الأفكار، ويحملون المشروع على أكتافهم.

فقدم الإسلام النموذج الأروع في العدل والحرية، وأصبح الناس إخوانًا متحابين، بعدما كانوا سادة وعبيدًا، وتحطمت رؤوس الطواغيت والأكاسرة والقياصرة تحت الضربات الواثقة لسيوف الحق المبين، لتنعم البشرية مرة أخرى بعبودية الله رب العالمين.

ومع أن هذا الزمن الجميل لم يدم طويلًا، إلا أن الأفكار ما زالت تنبِض، والأكتافَ ما زالت قوية، لكن الطريق أيضًا صعب واسع طويل.

وهذه الأمم التي تعيش حولنا متنعمة متنغمة، لم تصل إلى ما وصلت إليه، إلا بعد جهد متواصل وعمل دؤوب، وإيمان بالحق، ووقوف في وجه الاستبداد، فكان لها ما كان.

فحقوق العمال والطبقة الكادحة -في أوروبا مثلًا- لم تتحقق من خلال طريق مفروش بالورود، ورؤوس الطغاة لم تتحطم بالدعاء في جوف الليل، إنما هو العمل والإصرار والصبر حتى النهاية، وويل لأمة يصبر أبناؤها على الذل زمانًا، ولا يصبرون على الكرامة ساعة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لمَّا وقعتْ بنو إسرائيلَ في المعاصي نهتْهُم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسِهم وآكلوهم وشاربوهم، فضربَ اللَّهُ قلوبَ بعضِهم ببعضٍ، ولعنَهم على لسانِ داودَ وعيسى ابنِ مريمَ عليهما السَّلامُ {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}"، قالَ عبد الله بن مسعود: فجلسَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - وكانَ متَّكئًا – فقالَ: "لا والَّذي نفسي بيدِهِ حتَّى تأطروهم أطرًا" وفي روايةٍ: "كلَّا واللَّهِ لتأمرنَّ بالمعروفِ ولتنهونَّ عنِ المنكرِ، ولتأخذنَّ على يديِ الظَّالمِ، ولتَأطُرُنَّهُ على الحقِّ أَطْرًا، أو لتَقصُرُنَّهُ على الحقِّ قصرًا، أو ليضربنَّ اللَّهُ بقلوبِ بعضِكم على بعضٍ ثمَّ ليلعننَّكم كما لعنَهم" (الترمذي)

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب من الأردن

شاهد أيضاً

بين أداء الفرائض وحرية التصرف بالصحة والوقت؟

تأمل في هذا الحديث: {جَاءَ أعرابيّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثَائِرَ الرَّأْسِ، …