“الإيثار”.. السرُّ في تماسك الصف

الرئيسية » بصائر تربوية » “الإيثار”.. السرُّ في تماسك الصف
13266218794

الأخوة والحبّ في الله من أوثق عرى الإيمان، وهي قوّة إيمانية تورث شعوراً عميقاً بعاطفة صادقة ومحبّة وودّ واحترام وثقة متبادلة، فالرّباط الذي يجمع بيننا هو رباط العقيدة. يقول د. مصطفى الطحان: "إنَّ هذه العقيدة عجيبة فعلاً. إنَّها حين تخالط القلوب، تستحيل إلى مزاج من الحب ومودات القلوب، التي تلين قاسيها، وترقق حواشيها، وتندي جفافها، وتربط بينها برباط وثيق عميق رفيق. فإذا نظرة العين، ولمسة اليد، ونطق الجارحة، وخفقة القلب، ترانيم من التعارف والتعاطف، والولاء والتناصر، والسماحة والهوادة، لا يعرف سرّها إلا من ألّف بين هذه القلوب، ولا تعرف مذاقها إلاّ هذه القلوب {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. [الأنفال:62-63].

وهي السرّ في قوّة الصف وتماسكه، ولا ريب في ذلك، فقد كانت من الدعائم التي أسّس عليها الرّسول صلّى الله عليه وسلّم الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنوّرة، حيث ضرب الصحابة رضوان الله عليهم أروع الأمثال في الإيثار والبذل من غير شح ولا بخل. فهذا صنيع الأنصار لإخوانهم المهاجرين حين قدموا عليهم، خير دليل على الخلق الأصيل، فكتب السير تروي نماذج رائعة وسير خالدة.

إنَّ خلق الإيثار في أبسط معانيه هو أن تقدّم منافع غيرك على منافعك، أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، بل وأكثر ممَّا تحب لنفسك، أن تعطي لأخيك مثل أو أكثر مما تعطي لنفسك، أن تخدم الغير –عند الحاجة والاقتضاء- أكثر مما تخدم نفسك، وذلك رغبة في رضا الله تعالى، فقد يجوع المؤثر ليشبع غيره ويعطش ليروي سواه، بل قد يموت في سبيل حياة الآخرين، وبهذا الشعور النبيل يجدّد حقيقة إيمانه فيطهر نفسه من الأثرة والأنانية التي هي حب النفس وتفضيلها على غيرها، وهي صفة ذميمة عند من كمل إيمانه فاختار مراقي السؤدد ابتغاء الأجر الأخروي.

يقول الإمام البنا رحمه الله تعالى: "وأوّل القوَّة: قوّة الوحدة، ولا وحدة بغير حبّ، وأقل الحب: سلامة الصدر، وأعلاه: مرتبة الإيثار {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. [الحشر: 9]. والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه، لأنه إن لم يكن بهم، فلن يكون بغيرهم، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره، ((وإنَّما يأكل الذئب من الغنم القاصية)). [أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي]، ((والمؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدّ بعضه بعضاً)). [متفق عليه]. {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض}. [التوبة:71]. وهكذا يجب أن نكون".

"البنا: احرص على سلامة صدرك نحو إخوانك، وجاهد نفسك لتصل ومن معك إلى مرتبة الإيثار، والتفريط في هذا الركن أو النكث فيه كالنكث في ركن الجهاد يؤدي إلى أوخم العواقب"

قال الإمام ابن قيم الجوزية: "الإيثار درجتان: الأولى: أن تُؤْثِرَ الخلقَ على نفسك فيما يرضي الله ورسوله وهذه هي درجات المؤمنين من الخلق، والمحبين من خلصاء الله. الثانية: إيثارُ رضاء الله على رضاء غيره وإن عظُمت فيه المحن، ولو أغضب الخلْق، وهي درجة الأنبياء، وأعلاها لِلرسل عليهم صلوات الله وسلامه".

وليس الإيثار ادّعاءً ولا شعاراً فارغاً يعلنه الإنسان في السرّاء وأوقات الفراغ، وربّما يؤثر على نفسه في المواقف والأشياء الصغيرة، أمّا إذا جدت ساعة الجد وحان وقت الفصل يؤثر نفسه، وهذا غالب حال البشر، فالإنسان لا يقدّم غيره على نفسه إلاّ لحبّ شديد له أو لإيمان بأجر هو أعظم من هذه المنفعة المقدمة.

يقول الإمام البنا: "فاحرص على سلامة صدرك نحو إخوانك، وجاهد نفسك لتصل ومن معك إلى مرتبة الإيثار، والتفريط في هذا الركن أو النكث فيه كالنكث في ركن الجهاد يؤدي إلى أوخم العواقب، فلو هبط الأفراد عن أدنى مراتب الأخوة فستبدأ الفرقة، ويسود التنازع، وهذا يؤدي إلى الهزيمة قال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}. [الأنفال:46]".

ويضرب القائد الفذّ خالد بن الوليد مثالاً رائعاً في التضحية والإيثار، حين جاءه قرار الخليفة بتنحيته من قيادة الجيش وهو في ساحة القتال ضدّ الروم، ليُولّيَ مكانَه أحدَ جنوده، فماذا كان ردّ فعله؟ انتقل ببساطة من مركز القيادة إلى صفّ الجنود، وواصل المعركة كانّ شيئا لم يكن.. لماذا؟ لأنّه يقاتل في سبيل الله سواء كان قائداً أو جنديّاً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الغفلة.. المرض الفتاك

في خضم الأحداث والتغيرات التي تمر على الأفراد والحركات وخاصة تلك التغيرات المفاجئة والمتسارعة التي …