الحرية من الإيمان .. في الرد على شبهات مثارة

الرئيسية » بصائر الفكر » الحرية من الإيمان .. في الرد على شبهات مثارة
الحرية11

تصاعدت الحرب على أصول الدين، حتى وصلت إلى مستوىً شديد العمق، يشمل المساس بأركان الشريعة ومصادرها، وعلى رأسها السُّنَّة النبوية، ولئن كانت هذه القضية – على أهميتها – من الأهمية بمكان؛ إلا أنها تُعتبر جزءًا من معركة أوسع لهدم الدين.

و"هدم الدين" هنا ليس مصطلحًا مجازيًّا؛ حيث هو – بقطع النظر عن الفشل الذي ينتظر الرامين إلى ذلك – بالفعل يعبر عن حقيقة أهداف خصوم هذه الأمة، في هذه المرحلة، سواء من خارجها أو في الداخل بين ظهرانيي الشعوب العربية والإسلامية، وهم الطرف الأخطر في هذه المعركة؛ حيث هم منا وبيننا؛ يتحدثون لغتنا ويتكلمون مثلنا، ويظهرون أنهم يبغون مصلحتنا كشعوب.

ولعل الجانب الأهم المستهدف في هذه الحرب الشاملة، والتي تُستخدم فيها مختلف أساليب القوة الناعمة والخشنة، هو محاولة فصل المسلمين عن المحتوى القيمي والشرعي لدينهم.

فهناك الحرب على السُّنَّة النبوية، وحجيتها، وما إذا كانت ما تحتويه كتب الصحاح التي تضم الحديث النبوي الشريف، صحيحة أم لا، وهناك الحرب على المشروع الإسلامي الصحوي بمختلف مفرداته، والذي كان – ولا يزال – يسعى إلى استعادة وضع الأمة المسلمة، كأمة التكليف، وسيادة العالم حضاريًّا، على مختلف المستويات، كما كانت قبل فترة وجيزة من الزمان.

وتشمل هذه الحرب أيضًا التشكيك في المحتوى القيمي والإنساني الذي أتى الإسلام ليحمله، بحيث لا تعود له جاذبيته عند غير المسلمين، بل وعند المسلمين أنفسهم.

فرأينا اتساع نطاق دائرة الإلحاد والعلمانية في المجتمعات العربية، وخصوصًا في المجتمعات التي عرفت ثورات مضادة، سعت إلى الإطاحة بالتيار الإسلامي، الذي اختارته الشعوب لقيادتها، خلال أحداث الربيع العربي؛ حيث الحرب على التديُّن جزء من المعركة ضد قوى الإسلام السياسي، من جانب الأنظمة الحاكمة والحكومات القائمة.

" ينبغي التمييز بين تيارات الإسلام السياسي الصحوي، الحركي، التي تعمل من منظور شامل لهذا الدين، وبين مجموعات أخرى من الجماعات والأحزاب المنتسبة إلى المشروع الحضاري الإسلامي بشكل خاطئ ومحسوبة عليه"

وهنا ينبغي التمييز بين تيارات الإسلام السياسي الصحوي، الحركي، التي تعمل من منظور شامل لهذا الدين، باعتباره حضارة كاملة، وبين مجموعات أخرى من الجماعات والأحزاب المنتسبة إلى المشروع الحضاري الإسلامي بشكل خاطئ ومحسوبة عليه.

ومن بين هذه، بعض التيارات "الإسلامية"، التي لا تملك المؤهلات لأن تحمل هذه الصفة، صفة "إسلامية" بالمعنى الشامل، سواء لجهة عدم وجود رؤية أو فهم لديها، بمحتوى الإسلام الشامل، ومكوناته السياسية والاجتماعية والقيمية، وغير ذلك، والتي تشكل فيما بينها هذا الدين العظيم، وتقف عند بعض الأمور المرتبطة بالعقيدة والعبادات، أو لجهة تبنيها مفاهيم حركية خاطئة، تضر بأكثر مما تنفع.

المجموعة الثانية من هذه القوى، هي تلك الأحزاب والجماعات السياسية والمسلحة، التي شكلتها بعض الأطراف التي تناصب المشروع الحضاري الإسلامي العداء، وبدأت في تبني سلوكيات وسياسات، فردية وعامة، تراكِم صورة ذهنية سلبية عن قوى الإسلام السياسي الصحوية الحركية، عند الجمهور العام، وتهدم الأسس التي يقوم عليها المشروع الإسلامي الصحوي الحركي.

ومن بين هؤلاء بعض الأحزاب والجماعات المنتسبة زورًا وبهتانًا إلى تيارات السلفية العلمية والجهادية، في مصر وشبه الجزيرة العربية وبلاد الشام، وغيرها من أنحاء عالمنا العربي والإسلامي الواسع.

ولعل القيمة الأهم التي يسعى هؤلاء إلى الطعن فيها، فيما يخص المشروع الإسلامي السياسي والحضاري الشامل، هي قيمة الحرية؛ حيث يخوِّف هؤلاء الجمهور العام من الإسلاميين، باعتبار أنهم ما أن يتولوا الحكم؛ حتى يقوموا بفرض "مفاهيمهم ورؤاهم" الخاصة حول الدنيا والدين، وفرض نظام الحكم "الخاص بهم"، بالقوة الجبرية، والانقلاب على الديمقراطية التي جاؤوا بها إلى الحكم، والاقتتال فيما بينهم!

ويشمل ذلك – بطبيعة الحال – الحريات الأساسية والعامة وحقوق الإنسان، ولعل أهم هذه الأمور، تركيز خصوم المشروع على قضية حرية الاعتقاد، ولهذا أكثر من سبب.

فمع فشل الجهود المبذولة بواسطة القوة الناعمة لتنفير الناس من الإسلام والإسلاميين، بزعم أن الإسلام "دين إرهاب وعنف"، وأن الإسلاميين هم عبارة عن "مجموعة من المتعصبين الجهلة، الذين يفرضون آرائهم بالقوة على الآخرين"؛ تم الانتقال إلى أدوات تعتمد القوة الخشنة في هذا الصدد.

فتم تأسيس مجموعات إرهابية مسلحة، تحمل أسماء إسلامية، تعيث في الأرض فسادًا، وتقتل باسم الدين، والإسلام منها براء، ولعل أول ضحاياها كان المشروع الصحوي الحركي، الذي استهدفته أول ما استهدفت هذه المجموعات عند ظهورها.

وبالتدقيق في السلوك السياسي الذي تتبناه هذه المجموعات، مثل تنظيم "داعش" في العراق وسوريا؛ يجد أن قضية الإقصاء الديني والمذهبي على رأس أولويات عملها؛ حيث تمارس أسوأ ألوان التطهير الديني والمذهبي في الأماكن التي تحلُّ فيها.

"للمجموعات المشبوهة سياسة ممنهجة ترمي إلى التشكيك في إيمان المسلمين بقيمة حرية الاعتقاد والمذهب، وأن المسلمين إقصائيون؛ لا يقبلون الآخر المختلف عنهم في الدين أو المذهب أو المعتقد السياسي"

وهي ليست عنصرية أو عصبية منهم، ولكنها سياسة ممنهجة ترمي إلى تحقيق أهداف أكبر وأوسع، على رأسها التشكيك في إيمان المسلمين و"طليعتهم المقاتلة"، بقيمة حرية الاعتقاد والمذهب، وأن الإسلام خال منها، وأن المسلمين إقصائيون؛ لا يقبلون الآخر المختلف عنهم في الدين أو المذهب أو المعتقد السياسي.

والعمل في هذا الاتجاه، من جانب بعض الأنظمة، من خلال دعمها لهذه المجموعات، إنما يصب في خدمة مساعيها للبقاء في السلطة، من خلال تخويف الغرب من الإسلام السياسي، والقول بأنه إذا ما رحلت هذه الأنظمة؛ فإن أول من سيدفع الثمن، هم الأقليات التي تختلف عن هذه الجماعات الوحشية في الدين أو المذهب، وعلى رأسها الأقليات المسيحية في بلدان المشرق الإسلامي.

وبتتبع الأصل النقي لفكرة الحرية في الإسلام؛ سوف يجد الباحث المنصف والمدقق أن الإسلام إنما هو دين يقوم على أساس الحرية، التي تعني قدرة الإنسان على فعل الشيء أوتركه بإرادته الذاتية.

والحرية بهذا المعنى في الإسلام، إنما هي صنو العقل؛ حيث إن العقل هو باعث الإنسان للفعل الذاتي المستقل عن الآخرين وعن سيطرتهم.

وأهم الأفعال التي يأتي بها الإنسان بإرادته الخاصة، هي قضية الاعتقاد؛ حيث فيها مصيره في الدنيا والآخرة، والإسلام واضح في هذه النقطة، فأولاً، يقول الله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ256 } [سُورة "البقرة"]، والآية واضحة؛ فلا إكراه في الإيمان أو الكفر، والخيار للإنسان، بعد أن أتمَّ الله تعالى بنيان دينه، بالبعثة الخاتمة.

"الإسلام دين يقوم على أساس الحرية، التي تعني قدرة الإنسان على فعل الشيء أوتركه بإرادته الذاتية"

في جانب آخر من قضية حرية المعتقد؛ يؤكد القرآن الكريم، بما لا يدع مجالاً للشك، أنه لا وصاية لأحد على قرار الإنسان وحريته في اعتقاده؛ حتى الرسول أو النبي الذي بعثه الله تعالى، فيقول عز وجل: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [سورة الأنعام:104]، وفي سُورة "هود"، يأتي ذات المعنى، في قصة نبي الله شعيب "عليه السَّلامُ"، مع قومه: {بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ}.

ويخاطب رب العزة سبحانه، رسولَه الخاتم "صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم"، في سُورة "الغاشية"، فيقول: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ}.
وفي الإسلام، فإن الحرية وتمام العقل الإنساني هما مناطا التكليف عند علماء الأصول، وكلها أمور لا شكَّ فيها.

ومبحث الحرية في الإسلام، يظهِر الكثير من الأمور التطبيقية التي تتجاوز الفكرة والقيمة، التي تثبت أن الإسلام أكثر اكتمالاً وموضوعية في البنيان الذي بناه لقيمة الحرية، من ذلك النموذج الذي يتبناه الغرب، ضمن منظومة الليبرالية العلمانية التي يدعو إليها.

فالحرية في الإسلام منضبطة بضوابط، من بينها ضوابط المجتمع، بحيث لا يتعرض إلى الأمراض المجتمعية التي يعاني منها الغرب في الوقت الراهن، مع الحفاظ في ذات الوقت على قداسة الحرية الشخصية للفرد؛ فقط ألا تؤدي حريته إلى الإضرار بحريات الآخرين.

وحرية الفرد والجماعة في الإسلام، منضبطة – كذلك - بعدم تهديد سلامة النظام العام وتقويض أركانه، وألا تقود إلى تهديد لحقوق وأركان أخرى أعظم أو أهم منها.

وترتبط الحرية بعدد من مقاصد الشريعة المعتبرة، مثل حرمة الذات الإنسانية، مع عناية الإسلام الكاملة بكرامة الإنسان، باعتباره خليفة الله تعالى في أرضه.

وفي الأخير؛ فإن تبيان أركان الحرية كما عني بها الإسلام، بحاجة إلى بحث شرعي طويل، ولكن الأهم فيما نحاول أن نذهب إليه في هذا المقام، هو أن الحرية من الإيمان، وأنه ليس لأحد الوصاية عليها، لأي اعتبار، ولذلك؛ فهي، كما العقيدة، وكما كل قيمة كبيرة في حياة الإنسان، بحاجة إلى الحفاظ عليها، والعض عليها بالنواجذ مهما كان الثمن المدفوع فيها!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

“الاستقطاب الفكري”.. غياهب الجُبِّ تبتلع الشباب العربي!

لا تنفك الأنظار تتابع أخبار المجتمع العربي حتى تجد نفسها أمام وقائع سقط فيها الشباب …