حب الأوطان من الإيمان

الرئيسية » خواطر تربوية » حب الأوطان من الإيمان
حب الوطن

ما اخترنا حبك يا أوطان ***** لكن الله قد اختارا
حب الأوطان من الإيمان ***** إنا لنعلن أسرارا

كلمات بسيطة نرددها ونتغنى بها منذ الصغر، وبقيت ألحانها وأنغامها، باقية في عقولنا، بعدما كبرنا، فلها صدق ينساب في القلب والوجدان، وكأنها تخفف آلام الغربة، وتعطي أملا للغائب للرجوع لوطنه ولو بعد حين، بين أهله وخلانه.

وكم من غائب عن وطنه، أرغمته ظروف الحياة، وأشغالها، ينتظر يوم سعده وفرحه، يوم رجوعه لوطنه، فتكتحل عيناه برؤيته، وتعبق أنفاسه من شذاه الفواح، فيخر ساجداً شاكراً، يقبّل تربه الطهور، على كل ما فيه من بؤس عيش، وأكدار تعطيه ملح الحياة.

لبيت تخفق الأرياح فيه *** أحب إلي من قصر منيف
ولبس عباءة وتقر عيني *** أحب إلي من لبس الشفوف
وأكل كسيرة من كسر بيتي *** أحب إلي من أكل الرغيف
فما أبغي سوى وطني بديلا *** فحسبي ذاك من وطن شريف
وإن شئنا أن نمعن النظر في أصل الكلمة ومعناها، فالوطن لغة: هو المحل، ومكان العيش.

"وكم من غائب عن وطنه، أرغمته ظروف الحياة، وأشغالها، ينتظر يوم سعده وفرحه، يوم رجوعه لوطنه، فتكتحل عيناه برؤيته، وتعبق أنفاسه من شذاه الفواح"

أما اصطلاحاً: فهو بقعة الأرض التي تولد عليها، وتستقر فيها جماعة ما، وتكوِّن هذه البقعة بيئة حاضنة دائمة لأفراد الجماعة، مستقلين ومجتمعين.

لقد جبل الله النفس البشرية على حب وطنها، والشوق إليه إن غادرته، والدفاع عنه إن هوجم، والذود عنه إن انتقص، تدمع لفراقه العين، ويحن له الفؤاد، فهاهو قدوتنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، يخرج من مكة مودعاً، يبكي لفراقها، فهي أحب بقاع الأرض إليه، كيف لا وفيها نشأ وترعرع، وأمضى فيها أجمل أيامه، وكانت منبع دعوته ورسالته، فقال عند هجرته منها: "ما أطيبك من بلد، وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك، ما سكنت غيرك" (رواه الترمذي).

فقد حث ديننا الحنيف على محبة الوطن، وخدمته، والالتزام بحقوقه، وأداء الواجبات نحوه، ولكن بما يقتضيه كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فلم يمنع الإسلام يوماً حب المسلم لوطنه، لكن؛ ليكن في حسبانه أن يلتزم حده ولا يزيد في ذلك؛ بمعنى: ألا يوالي ويعادي من أجل الوطن، بل عليه أن يجعل كل الولاء أولاً وأخيراً، لله تعالى، عليه يوالي، وعليه يعادي، فلا يقدم محبة الوطن، وأهل الوطن، على محبة الله، والأعمال التي يحبها الله، أو من يحبهم الله.

"لم يمنع الإسلام يوماً حب المسلم لوطنه، لكن، ليكن في حسبانه أن يلتزم حده ولا يزيد في ذلك؛ بمعنى: ألا يوالي ويعادي من أجل الوطن، بل عليه أن يجعل كل الولاء أولاً وأخيراً، لله تعالى"

فلا ينشأ حبه لوطنه، عن عصبية بغيضة، فتراه يردد كما الجاهلين: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، أي: الوقوف بجانبه، سواء كان على حق أم لا، مدعياً أنها أخوة الوطن، تاركاً الأخوة الإسلامية، التي تزيد المرء شرفاً، وأخلاقاً، وإحساساً بالغير، فأخوة العقيدة؛ أثبت وأرسخ في القلوب من أخوة الوطن التي يدعون، فشتان بين العصبية، وحب الأوطان، فهذا خلق منهي عنه في شريعتنا الاسلامية.

فإذا وصل الإنسان لهذا الحد، من التعصب، وتقديس الوطن، بأن ينسب النصر والشجاعة لأجل الوطن، فماذا بقي لله سبحانه وتعالى؟ وماذا بقي لحب الله؟! إن كان الوطن هو كل شيء في حياته!

فقد أصبحت الأوطان كأوثان تُعبد، فترى كل صاحب وطن، يهتف بأن وطنه هو الأفضل، والأينع، والأجمل، وفي المقابل يحتقر البلدان الأخرى، ويقلل من شأنها.

ومن يتدبر في سيرة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فسيرى أنه ذم العصبية، ووصفها بالجاهلية المنتنة، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين -أي ضرب- رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاريّ: يا للأنصار، وقال المهاجريّ: يا للمهاجرين، فقال رسول الله: "ما بال دعوى الجاهلية؟" قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: "دعوها فإنها منتنة". (رواه البخاري).

وفي النهاية:
وفاءً للوطن، وحباً له، لنردد كلمات الشاعر:

مــوطــنــي مــوطــنــي
الجـلال والجـمال والســناء والبهاء فـــي ربــاك فــي ربـــاك
والحـياة والنـجاة والهـناء والرجـاء فــي هـــواك فــي هـــواك
هـــــل أراك هـــــل أراك سـالما مـنـعـما و غانـما مـكرما
هـــــل أراك فـي عـــلاك تبـلـغ السـمـاك تبـلـغ السـماك
مــوطــنــي مــوطــنــي مــوطــنــي مــوطــنــي
الشباب لن يكل همه أن تستقـل أو يبيد نستقي من الـردى ولن نكون للعــدى
كالعـبـيـــــد كالعـبـيـــــد
لا نريــــــد لا نريــــــد ذلـنـا المـؤبـدا وعيشـنا المنكـدا
لا نريــــــد بـل نعيــــد مـجـدنا التـليـد مـجـدنا التليـد
مــوطــنــي مــوطــنــي

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة في موقع بصائر الإلكتروني، حاصلة على درجة البكالوريوس في تخصص الدعوة والإعلام الإسلامي/ الدراسات الإسلامية.

شاهد أيضاً

جمالك بأخلاقك!

سمعت بالأمس أحد مذيعي البرنامج التلفزيونيه يتحدث بكلام جاد محوره أن الأخلاق تمر بأزمة أو …