حرب الإسلام على الفقر

الرئيسية » بصائر الفكر » حرب الإسلام على الفقر
المال12

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)} [سورة البقرة].

كثيرًا ما يقرع بعض الوعاظ والدعاة أسماعنا بتمجيد الفقر والفقراء، ويُعيدون ويَزيدون في ذكر فضل الفقر والمسكنة، وأنّ الفقراء والمساكين هم أكثر أهل الجنة، ناسين أو متناسين أن القرآن الكريم حارب الفقر، وطرح حلولًا اجتماعية كثيرة للقضاء على هذه الظاهرة.

بل إن القرآن الكريم مجّد الأغنياء أصحاب الفضل والنفقة في مواطن كثيرة، وذكر ما وعدهم الله به من الثواب العظيم.

ومن الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس الغافلين عن التاريخ: تلك المقولةُ البالية التي تصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كان فقيرًا، بل إن الأمر وصل ببعضهم أن يسحب الفقر والبؤس على جميع مراحل حياته صلى الله عليه وسلم.

"القرآن الكريم مجّد الأغنياء أصحاب الفضل والنفقة في مواطن كثيرة، وذكر ما وعدهم الله به من الثواب العظيم"

صحيح أن هناك روايات تظهر بعض جوانب الشدة التي كان يعاني منها المجتمع الإسلامي في بداية التأسيس وعلى رأسه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن هذه الشدة لم تكن السمة العامة لجميع مراحل السيرة النبوية.

وقراءة فاحصة علمية في مراحل العمل الدعوي والاجتماعي في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، تظهر أن المال كان موجودًا في جميع هذه المراحل، بل إن كبار الأغنياء من الصحابة كانوا يدعمون أعمال الدعوة ويغدقون عليها في كل اتجاه.

وإذا علمنا أن خديجة رضي الله عنها كانت من أغنى أغنياء العرب، وكانت لها تجارة في كل مجال تقريبًا، فإننا سنعلم يقينًا: أن هذه الثروة الطائلة كانت تحت تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينفق منها في مصالح الدعوة، ولقد ورث رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الثروة عن خديجة رضي الله عنها بعد وفاتها.

قال صلى الله عليه وسلم في حق خديجة رضي الله عنها: "مَا أَبْدَلَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا؛ قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ" (رواه أحمد بسند صحيح)

هذا عدا عن المخصصات العامة للرسول صلى الله عليه وسلم بنص القرآن الكريم: قال الله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)} [سورة الأنفال].

ولقد أنفق رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته على الدعوة وعلى أصحابه وعلى الناس ما لا يستطيع أحد أن يستوعبه كرمًا وفضلًا وسماحة.

فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حِينَ صَدَرَ مِنْ حُنَيْنٍ،... سَأَلَهُ النَّاسُ، حَتَّى دَنَتْ بِهِ نَاقَتُهُ مِنْ شَجَرَةٍ، فَتَشَبَّكَتْ بِرِدَائِهِ، حَتَّى نَزَعَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي. أَتَخَافُونَ أَنْ لاَ أَقْسِمَ بَيْنَكُمْ مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ سَمُرِ تِهَامَةَ نَعَماً، لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لاَ تَجِدُونِي بَخِيلاً، وَلاَ جَبَاناً، وَلاَ كَذَّاباً". (موطأ مالك).

وعَنْ أَنَس بن مالك: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُسْأَلُ شَيْئًا عَلَى الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَعْطَاهُ: فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِشَاءٍ كَثِيرٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مِنْ شَاءِ الصَّدَقَةِ. قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً مَا يَخْشَى الْفَاقَةَ} (رواه أحمد بسند صحيح).

قَالَ أنس: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَقَالَ: «انْثُرُوهُ فِي المَسْجِدِ» وَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلاَةِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَمَا كَانَ يَرَى أَحَدًا إِلَّا أَعْطَاهُ، إِذْ جَاءَهُ العَبَّاسُ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَعْطِنِي، فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خُذْ» فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ، قَالَ: «لاَ» قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: «لاَ» فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عَلَيَّ، قَالَ: «لاَ» قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: «لاَ» فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى كَاهِلِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا - عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ - فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ. (البخاري)

أما الصحابة الأغنياء، فحدّث عنهم ولا حرج، فأبو بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن وطلحة والزبير وغيرهم رضي الله عنهم، كانوا ينفقون من أموالهم بلا حساب، ويضعون ثرواتهم الطائلة تحت تصرف الدعوة في مكة ثم المجتمع الجديد في المدينة ثم الدولة في عهد الخلافة.

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي» (البخاري).

فأبو بكر ينفق ماله في محاربة العبودية، وفي الهجرة، وفي تجهيز الجيوش، وعمر بن الخطاب وعثمان وعبد الرحمن لم يبخلوا بأموالهم الخاصة في دعم المشاريع العامة، وعلى رأسها الجهاد في سبيل الله، ونساء المؤمنين يضعن المال والذهب والحُلي تحت تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

"الدين يأمر بإعمار الدنيا في سبيل تحصيل السعادة في الآخرة، ويرفض التواكل والكسل والاعتماد على الآخرين"

وبعد هذا كله، يخرج علينا أولئك المشايخ بقولهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فقيرًا، ويُدبّجون الخطب الرنانة في فضل الفقر وأهله، وكأن الدين وجد للفقراء وللآخرة، أما عمارة الأرض والسير في مناكبها فهو من اختصاص الفجار والظالمين.

الدين يأمر بإعمار الدنيا في سبيل تحصيل السعادة في الآخرة، ويرفض التواكل والكسل والاعتماد على الآخرين، كما أن الطبيعة الحركية الواقعية لهذا الدين تراعي نزعة حب التملك في النفس البشرية، لذلك دعت إلى تهذيب هذه النفس من خلال الإنفاق في وجوه الخير طلبًا للسعادة في الدنيا والآخرة، وحثت على الزهد والتقلل من اللذات حتى لا تثقل همتها وتبرد عزيمتها.

قال الله تعالى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)} [سورة الرعد]

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

كاتب أردني، إمام وخطيب ومدرس للتربية الإسلامية، وباحث في التاريخ الإسلامي.

شاهد أيضاً

الحركة الإسلامية وقيادتها بين أهل الثقة وأهل الكفاءة

الحركة الإسلامية: تجمّع بشري يهدف إلى تطبيق الفكرة الإسلامية بكل أبعادها في واقع الناس وحياتهم، …