فصبرٌ جميلٌ

الرئيسية » خواطر تربوية » فصبرٌ جميلٌ
الصبر30

يا أيها المسلم الباكي من آلام الحياة، وكرب الزمان، وشقاء الأيام، قف قليلاً وتوقف عن كل ذلك!!
ألم تسمع قول ربك تبارك وتعالى: {فإن مع العسر يسراً* إن مع العسر يسرا} [الشرح:5،6].

ثق بربك وبوعده لك، اصبر قليلاً فبعد العسر تيسير، وكل أمر له وقت وتدبير.
ومن منا لا تأتيه المصائب!! ولا تشغله هموم الدنيا!!

فذاك مصاب بمرض أقعده، وذاك مبتلى بفقد عزيز، وتلك تشكو بعاد فلذة كبدها في أسرٍ ظالم، وتلك تأخر زواجها، وآخر تخرج من جامعته ولم يجد وظيفة تكفيه ملمات الحياة.
فمنهم صابر محتسبٌ أمره، ومنهم كثير التذمر والشكوى، جاهلاً معنى الصبر، ذاك الخُلق العظيم، فقد تكرر ذكر كلمة (الصبر) ومشتقاتها في القرآن الكريم (114) مرة، ولكنها أصبحت كلمة عادية نتداولها بيننا دون الإبحار في معناها الحقيقي.

فالصبر عند أهل اللغة: الانتظار في هدوء واطمئنان، دون شكوى أو تعجل.

"الصبر في الشرع: حبس النفس عن محارم الله، وحبسها على فرائضه، وحبسها عن التسخط والشكاية لأقداره"

وفي شرعنا الحنيف: الصبر هو حبس النفس عن محارم الله، وحبسها على فرائضه، وحبسها عن التسخط والشكاية لأقداره، قال تعالى: {يآ أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا} [آل عمران: 200].

فإذا ما نزلت مصيبة بأحدنا، فلم يجزع، ولم يسخط لحكم ربه، وأيقن أن بعد العسر يسرين، ووكل أمره لله وحده، فليُبشر بالخير والسرور، الذي وعده به ربنا عز وجل حيث قال في كتابه العزيز، مخاطباً الصابرين: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ*أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون} [البقرة:155-157].

فمن ابتُـلِيَ فصبر، ولهج لسانه بقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثقة بالله تعالى وبحكمته وأمره، فبشرهم الله بالثناء عليهم والفخر بهم، ثم تتنزل عليهم الرحمة من ربهم، وزيادة على ذلك جاءتهم البشارة الثالثة، بوصفهم أنهم مُهْتَدُونَ وهذه أعظم بشارة يمكن أن تتحقق للعبد من مولاه.

هؤلاء هم الصابرون الذين فازوا بمعية الله لهم، فشملهم الأمان الرباني فقال جل وعلا: {إن الله مع الصابرين} [الأنفال:46].
وفي السنة المطهرة، وردت الأحاديث الكثيرة في هذا الباب العظيم، وهذا الخلق الكريم، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ، وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ، إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكان خَيرًا لهُ، وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكان خَيرًا لهُ" (رواهُ مُسْلِمٌ).

بيَّن الحديث أنَّ المؤمنَ في أمره كله خير من عند الله، فإن أصابته سراء وسعة في الرزق، والمال، والبنون، حمد ربه وشكره، وإن أصابته ضراء وضيق في حياته، صبر ولم يسخط، ولم يشكِ، فهذا لا شك هو خير له، وحتى الشوكة يشاكها المؤمن، إلا كَفَّر الله بها عنه الخطايا والذنوب، فما بالك بما هو أصعب من الشوكة وأشد ألماً؟!!

عزيزي القارئ..

"الصبر ساق المؤمن التي لا اعتماد إلا عليها، وقد خسر وضعف إيمان من لا يصبر"

إن الصبر ساق المؤمن التي لا اعتماد إلا عليها، وقد خسر وضعف إيمان من لا يصبر، فهذا انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، وكم من رغد العيش ينتظر الصابرين، ويرفعهم لأعلى المنازل بشكرهم واحتسابهم، فيسيرون بين جناحي الشكر والصبر، إلى جنات النعيم، قال تعالى: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [الجمعة:4].

قوة الإيمان في جميع الأحوال مهمة لتحمل الصبر، ولنا في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وقصص الأنبياء عبرة وتسلية لتعيننا على الصبر ومشاقه، فهم أشد الناس ابتلاءً، فكما ورد في الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ، يُبتلى الناسُ على قدْرِ دينِهم، فمن ثَخُنَ دينُه اشْتدَّ بلاؤُه، ومن ضعُف دينُه ضَعُف بلاؤه، و إنَّ الرجلَ لَيُصيبُه البلاءُ حتى يمشيَ في الناسِ ما عليه خطيئةٌ" (رواه الترمذي).

وفي الأثر يروى أن الخليفة الوليد بن عبدالملك، طلب عروة بن الزبير لزيارته في دمشق مقر الخلافة الأموية، فتجهز عروة للسفر واصطحب معه أحد أبناءه وكان أحبهم إليه، وفي الطريق أصيب عروة بمرض في رجله، أخذ يشتد حتى أنه دخل الشام محمولاً.

انزعج الخلفية لذلك، وأمر بجميع الأطباء الماهرين، وقرروا أن به الآكلة، "مايسمى في عصرنا بالغرغرينا" ولا علاج لها غير بتر ساقه حتى لا ينتشر لباقي جسده، فعندما علم عروة لم يزد في قول: اللهم لك الحمد.

اجتمع الأطباء على عروة واقترحوا عليه شرب الخمر، ليسكره فلا يشعر بألم البتر، فرفض وقال لهم: دعوني أصلي، فإذا قمت للصلاة فشأنكم وما تريدون، ففعلوا ذلك وتركوه حتى سجد، وكشفوا عن ساقه لبترها، ثم سكبوا عليها الزيت المغلي، فلم يحتمل حرارة الزيت فأغمي عليه، في هذه الأثناء أتى الخبر من خارج القصر، أن ابن عروة بن الزبير كان يتفرج على خيول الخليفة، وقد رفسه أحد الخيول فقضى عليه وصعدت روحه إلى بارئها.

فاغتم الخليفة لهذا الخبر كيف سيوصله لعروة، فتركه حتى أفاق، فاقترب منه وقال: أحسن الله عزاءك في رجلك، فقال عروة : اللهم لك الحمد وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، قال الخليفة: وأحسن الله عزاءك في ابنك، فقال عروة: اللهم لك الحمد وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، أعطاني سبعة وأخذ واحداً، وأعطاني أربعة أطراف وأخذ واحداً، إن ابتلى فطالما عافا، وإن أخذ فطالما أعطى، وإني أسأل الله أن يجمعني بهما في الجنة.

فلله درك ياعروة، عرفت معنى الإيمان فهانت عليك مصائب الدنيا وملماتها، آمنت بقضاء الله وقدره حق الإيمان.
وأختم بقول الشاعر:

ولرُبَ نـازلـة يضيق بـها الفتى **** وعـنـد الله مـنـهـا الـمـخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها **** فرجت وكنت أظنها لا تفرج

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة في موقع بصائر الإلكتروني، حاصلة على درجة البكالوريوس في تخصص الدعوة والإعلام الإسلامي/ الدراسات الإسلامية.

شاهد أيضاً

في ذكرى مولده…بعض خصائصه العجيبة صلى الله عليه وسلم

محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي، الذي قال الله عنه: {هو الذي بعث في …