لمن تشتكي حبة القمح .. والقاضي دجاجة!!

الرئيسية » خواطر تربوية » لمن تشتكي حبة القمح .. والقاضي دجاجة!!
الظلم 27

ذات مرة، كنت أشاهد أخبار العالم، أتنقل من صفحة لصفحة، ومن خبر إلى خبر، ومن صورة إلى أخرى، لم أرَ إلا الظلم والاستبداد، عمّ العباد البلاد.

مساكن دمرت، وعائلات شردت، وأطفال ذبحت، ومحكمةٌ موازينها قلبت، فبأي شرعٍ حكمت!!

بين ليلة وضحاها، أصبح الأمين خائناَ، والصادق مُكذّبا، وأمسى الخائن أميناً، والكاذب مُصدّقاً.

ويل لهم! باعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل، خسروا الدنيا والآخرة، لم أتمالك نفسي لهول ما سمعت، فأتبعت نظري علّي أجد غير ما سمعت، ولكن لسوء الحظ، فقد صدّق البصر ما سمعت، عندها تبسمت وتذكرت مايقال في أمثالنا الشعبية:(لمن تشتكي حبة القمح والقاضي دجاجة؟!).

حارت الأفكار، وغارت الكلمات في بحور الصمت والأسى، تارة على أولئك الأبرياء المظاليم، وتارة على مآل القضاة الظالمين.

"إذا استبيح العدل، وانقلبت الأحكام وتبدلت، فلا يبقى من مفر للمظلومين، إلا وجه الكريم العدل، الذي لا يُظلم عنده أحد"

فألهمني قول ذاك الشاعر حين قال:

إِذا خَـــانَ الأميرُ وكاتباهُ *** وقاضِي الأَرْضِ داهَنَ في القَضاءِ
فَوَيْلٌ ثُمَّ وَيْلٌ ثُمَّ وَيْـــــــلُ *** لِقاضِي الأَرْضِ منْ قَاضِي السَّــمــاءِ

إذا استبيح العدل، وانقلبت الأحكام وتبدلت، فلا يبقى من مفر للمظلومين، إلا وجه الكريم العدل، الذي لا يُظلم عنده أحد، ولا تظلم نفس شيئاً ولو كان مثقال ذرة، بل تجزى بما عملت وكسبت في دنياها، من حقوق تردها لأهلها. فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لتُؤدُّنَّ الحقوقَ إلى أهلِها يومَ القيامةِ، حتَّى يُقادَ للشَّاةِ الجلْحاءِ (أي التي لا قرون لها) من الشَّاةِ القرْناءِ" (رواه مسلم).

عزيزي القارئ

لتعلم أن الظلم لغة هو: الجور ومجاوزة الحد.
أما اصطلاحا: وضع الشيء في غير موضعه المختص به؛ إمَّا بنقصان أو بزيادة؛ وإما بعدول عن وقته أو مكانه.

فالظلم ظلمات يوم القيامة، وآفته على الأفراد والمجتمع عظيمة، فالظالم ومن معه وعاونه قد يتمتعون لبعض الوقت، لكن المظلوم يبقى في حسرته وآلامه، يشكو أمره لله، فهو الذي لا تضيع عنده الحقوق.

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا     فالظلم ترجع عقباه إلى النــدم
تنام عيناك والمظلوم منتبه      يدعو عليك، وعين الله لم تنــــم

"إن من عدل الله تعالى ورحمته بعباده، أنه حرم الظلم على نفسه"

وإن من عدل الله تعالى ورحمته بعباده، أنه حرم الظلم على نفسه، فعن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فيما روى عن اللهِ تبارك وتعالى أنَّهُ قال: "ياعبادي! إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّمًا، فلا تظَّالموا" (رواه مسلم).

وفي هذا الحديث، أمرٌ سماوي واضح، وضوح الشمس في كبد السماء، بتحريم الظلم بين الخلائق.

فسبحانك ربنا ما أعدلك!! فأنت العدل سبحانك، فبالعدل أقمت السموات والأرض، وبالعدل تسوي الحساب بين الخلائق ، وبالعدل ستحاسب الناس يوم القيامة.

قصص من التاريخ

يحكى أنه، لمَّا قدِمَ جعفرُ بنُ أبي طالبٍ من أرضِ الحبَشةِ، لقيَهُ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: حدِّثني بأعجبِ شيءٍ رأيتَهُ بأرضِ الحبشة، قالَ: مرَّتِ امرأةٌ على رأسِها مِكتلٌ فيهِ طعامٌ فمرَّ بِها رجلٌ على فرسٍ فأصابها، فجعلت تنظرُ إليْهِ وَهيَ تعيدُهُ في مِكتلِها، وَهيَ تقولُ: ويلٌ لَكَ من يومٍ يَضعُ الملِكُ كرسيَّهُ، فيأخذَ للمَظلومِ منَ الظَّالمِ، فضحِكَ رسولُ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام، حتَّى بَدَت نواجذُهُ، فقالَ: "كيفَ يقدِّسُ اللَّهُ أمَّةً لا يُؤخَذُ لضعيفِها مِن شديدِها حقَّهُ وهو غيرُ مُتَعتَع (أيِ من غير أن يصيبه أذى يقلقه ويزعجه)" (صححه الألباني).

"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة المسلمة إذا كانت ظالمة"

وفي قصة أخرى، يروى أن رجلاً اصطاد سمكة كبيرة، ففرح بها، وفي طريق عودته إلى زوجته وأولاده، قابله حاكم المدينة، ونظر إلى السمكة التي معه، فأخذها منه، فحزن الصياد، ورفع يديه إلى السماء شاكيا لله -عز وجل، طالبًا منه أن يريه جزاء هذا الظالم، ورجع الحاكم إلى قصره، وبينما هو يعطي السمكة للخادم لكي يُعِدَّها له، إذا بالسمكة تعضه في إصبعه، فصرخ وشعر بألم شديد، فأحضروا له الأطباء، فأخبروه أن إصبعه قد أصابه السم من عضة السمكة، ويجب قطعه فورًا حتى لا ينتقل السم إلى ذراعه، وبعد أن قطع الأطباء إصبعه، أحس أن السم ينتقل إلى ذراعه ومنه إلى بقية جسده، فتذكر ظلمه للصياد، وبحث عنه، وعندما وجده ذهب إليه مسرعًا يطلب منه أن يسامحه ويعفو عنه حتى يشفيه الله، فعفا عنه.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة المسلمة إذا كانت ظالمة).
نسأل الله العظيم أن تعم أوطاننا العدل والسلام ، وأن يفرج عن كل مظلوم.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الظلم
  • العدل
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    كاتبة في موقع بصائر الإلكتروني، حاصلة على درجة البكالوريوس في تخصص الدعوة والإعلام الإسلامي/ الدراسات الإسلامية.

    شاهد أيضاً

    7 تعليقات على هامش الانتخابات الأمريكية

    (1) الحرية غالية، ولذلك لا بد أن يُدفع فيها ثمن غال، وقد دفع الأمريكيون ثمنا …