واصحب مَن إذا مددتَ يدك للخير مدَّها

الرئيسية » حصاد الفكر » واصحب مَن إذا مددتَ يدك للخير مدَّها
masarwa

أبناؤك هم ريحانتك في الدنيا، فانظر هذه الرياحين في يد مَن تقع، وكيف يُفعل بها!
مع مَن يسهرون، مع مَن يتحدثون، مَن أصحابهم على الفيسبوك وغُرف الدردشة! مَن زملاؤهم في المدرسة، وفي الشارع؟!!

تذكر أن لك شركاء في التربية، كلٌ له جانب، وكلٌّ يدلي بدلوه ليستقطب إليه أبناءك، أما دورك أنت فهو التربية الصحيحة السليمة وتهذيب ما علق في أذهانهم وعقولهم بما لا يتوافق مع الشرع والعقل والمنطق. تمامًا كما تفعل مع النبتة وهي غضة طرية، تزيل الأعشاب الضارة من حولها، توجّه أغصانها الرفيعة حيث تريد بسهولة وسلاسة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (رواه الترمذي).

لقد اهتم الإسلام بالصحبة الصالحة وأمر بها وحذر من الصحبة السيئة وأمر بالابتعاد عنها.
قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامَك إلا تقي" (رواه أبو داود والترمذي)، وقال صلى الله عليه وسلم: "خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه" (رواه أحمد).

لماذا الصاحب المؤمن؟ لأنه يعين على الاستقامة. ولأن المرء يتأثر بصفيه وجليسه، ويكتسب من أخلاق صاحبه وخليله، والمرءُ إنما توزن أخلاقه وتُعرف شمائله بإخوانه، لذلك قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" (رواه أبو داود والترمذيُ بإسناد صحيح).

وهذا عبد الله بن مسعود يقول: "ما من شيء أدلُّ على شيء؛ من الصاحب على الصاحب".

في هذا العصر قد نربي أبناءنا على الالتزام والصلاة والأخلاق، ولكن أنت تبني وغيرك يهدم، أنت تربي وآخرون يعبثون فيضيّعون عليك تعبك، أصبحت تربية الأبناء مسألة محيّرة يشوبها الكثير من المحاذير.

هل تعرف مَن هم أصحاب ابنك؟ صاحبات بناتك؟ أم أنّ الأمر لا يعنيك!

جلس رجل صالح يحدث ابنه الشاب عن الصحبة وآثارها، فسأله ابنه: ومَن أصاحب؟

فقال: صاحبْ من إذا لم تكن لنفسك كان لك، وإذا كنتَ لنفسكَ كان معك، يجلو صدأ جهلكَ بعلمهِ، ويحسمُ مادةَ غيِّك برشدهِ، وينفي عنك غشّ صدرك بنصحه.. اصحبْ مِن إذا قلتَ صدّقك، وإن سكتَّ عذرك، وإن بذلتَ شكرك، وإن منعتَ سلّم لك. فقال له: مِن أين لي بشخص هذه صفاته؟ قال: كُنْ أنت ذاكَ، تجدكَ على ذاك، ويجدكَ مثلك على ذاك، كأنك إنّما تحبُّ أن تكونَ أنت لغيرك.

ما أروعها من كلمات إن نحن فهمنا محتواها ومضمونها، وما أعظمنا إن نحن صاحبنا أبناءنا وأرشدناهم.

وانظر إلى قول النبيّ صلى الله عليه وسلم يرشدنا إلى اختيار الجليس الصالح ويحذرنا من الجليس السيئ: "إنما مثلُ الجليسِ الصالح والجليسِ السوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحاملُ المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخُ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة".

وهكذا هم جلساء أبنائنا؛ الصالح فيهم يكون لابنك نصيب من صلاحه وتقواه، ولو أن يُشار إليه بالبنان، فيقولون أنه صاحب فلان الفتى الخيِّر، أما الجليس السوء فلو لم يأخذ من سيّئه –وهذا نادر– فيكفي أن يُقال عنه أنه صاحب فلان سيئ الذكر أو العاصي.... فأيهما تختار لابنك ثمرة فؤادك؟

تذكر قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم:6)، وكيف تقي أهلك من النار وأنت تسكت على صحبته السيئة، بحجة أنه أصبح بالغًا يعرف أمور نفسه!

لذلك أوصى بعض الصالحين ولده لما حضرته الوفاة، فقال: يا بني، إذا أردت صحبة إنسان فاصحب مَن إذا خدمتَه صانك، وإن صحبته زانك، واصحب من إذا مددتَ يدك للخير مدَّها، وإن رأى منك حسنة عدَّها، وإن رأى منك سيئة سدَّها.

ويقول الشاعر داعمًا ومؤيّدًا:
إذا كنت في قومٍ فصاحب خيارَهم ولا تصحب الأرْدَى فتردى مع الردِي
عن المرءِ لا تسأل وسَلْ عن قرينِه فكلُّ قرينٍ بالمُقَارن يقتدي
مَن جالس الجُرب يومًا في أماكِنها لو كان ذا صحةٍ لا يأمن الجربا
وبقول الشافعي - رحمه الله: لولا القيام بالأسحار، وصحبة الأخيار، ما اخترت البقاء في هذه الدار.
هؤلاء هم الأصحاب الذين نريدهم لأبنائنا، كلامهم طيب ومعاملتهم حسنة وممشاهم مستقيم، وصحبتهم تعين على عمل الخير ورفقتهم تأخذهم إلى الجنة.

كن أنت صاحب ابنك الأول، افتح له قلبك، أقبل عليه بحب وشوق، لا تتركه لنفسه وأصحابه، تعرّف على مشاكله، أهدافه، طموحاته،أسراره، ماذا يحب وماذا يكره، تقرّب منه لينعم بدفء حضنك، ازرع في قلبه نبتة الخير لتثمر خيرا وفلاحا وصلاحا..

أيتها الأم الغالية كوني أنت الصاحبة الأولى لابنتك، تعرّفي على أنوثتها، احتياجاتها، رغباتها، أهدافها في الحياة، آمالها، أحلامها، استثمري الخير الذي في داخلها علّها تكون صالحة مُصلحة..

فالخير الذي ستزرعانه في أبنائكما ستحصدانه أنتما وأبناؤكما والمجتمع عامة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الانتخابات مدخلاً لإصلاح البيت الفلسطيني؟!

تداولت الأوساط الفلسطينية بارتياح تطورات الحوار بين فتح وحماس في إسطنبول، التي يبدو أنها قطعت …