أهمية توسيع الأفق المفاهيمي عند أبناء الحركة الإسلامية

الرئيسية » بصائر الفكر » أهمية توسيع الأفق المفاهيمي عند أبناء الحركة الإسلامية
كتب10

تأتي التحولات الراهنة التي تواجهها الحركة الإسلامية، بمختلف ألوان طيفها الفكري والسياسي؛ لكي تؤكد على حقيقة مهمة، وهي أهمية تنويع الوجهات التي يستقي منها المسلم، وخصوصًا العامل في الميدان، أيًّا كان هذا الميدان، سواء أكان ميدان الدعوة، أم ميدان السياسة، أم ميدان المقاومة والجهاد بالسلاح.

وفي البحث العلمي؛ فإن من بديهيات نجاح التجربة –أية تجربة- هو أن يعمد القائمون عليها، إلى الأخذ في الاعتبار عند أخذ الملاحظات واستخلاص النتائج، مختلف العوامل، والنظر إلى دور كل من هذه العوامل في توجيه التجربة.

بالمثل؛ فإنه في مجالات الدعوة والسياسة، وكل ما اختص بحركة العمران البشري؛ يجب على المسلم الصحيح الإلمام بمختلف الأمور والرؤى، وكذلك الواقع القائم، حتى ولو تعارض ذلك مع قناعاته القيمية؛ فلا مجال لإنكار الكفر لمجرد أننا مؤمنون؛ حيث إن الانحرافات العقيدية والأخلاقية وكذا، إنما هي ظواهر واقعة؛ يجب التعامل معها.

على العكس؛ فإنه من الواجب على المسلم صاحب البصيرة إدراك وجود مختلف هذه الظواهر؛ لأن واجبه هو معالجتها.
إلا أننا الآن نجد أنفسنا أمام مرض مهم على مستوى التأسيس المعرفي لدى بعض شباب الصحوة الإسلامية، وحتى على مستوى بعض المفكرين والعلماء، وهو أن البعض يقصر رؤيته على مفكر بعينه، من ضمن كل المفكرين الإسلاميين وغير الإسلاميين؛ حتى لتكاد تظن أن هذا البعض يبشر بدين جديد، نبيه المفكر فلان أو علان.

فترى كُتَّابًا لا ينقلون سوى عن الطاهر بن عاشور، أو مالك بن نبي، بعضهم يتحمس لعلي شريعتي، وكأنه حَبَر الأمة، أو للإمام الشهيد سيد قطب وكأنه لا ينطق عن الهوى.

فمع الاحتفاظ لهؤلاء المفكرين مكانتهم؛ حيث كلهم جاؤوا بالجديد والمهم الذي يصلح هذه الأمة، إلا أن هذا الالتصاق، وبالصورة التي تتم، من "ارتشاف" كل قطرة من كلماتهم وأفكارهم، يحول هذه الأسماء الجليلة إلى "تنظيمات" أو "أنبياء" والعياذ بالله، وهو ما لم يأتِ به الإسلام، بل وذمَّ فيه ونهى عنه.

هذه الحالة من الانغماس في مفكر بعينه، تخلق أكثر من مشكلة، تغمر، في ظل إطارها التراكمي، الحركة الإسلامية بأسرها، خصوصًا وأن الحركة الإسلامية، لا تعمل ككلٍّ متكامل في غالبية الأحوال، بحيث يكون هناك قلب مركزي يعمل على تحقيق التكامل والشمولية المطلوبَيْن في الأخذ من مثل هذه المصادر.

"الانغلاق على مفكر بعينه، يحرم صاحبه من فضل أفكار المفكرين الآخرين، بالإضافة إلى تضييق زاوية تقييمه للأمور التي تعرض عليه"

المشكلة الأولى التي تخلقها هذه الحالة؛ هو أنها تحرم صاحبها من فضل أفكار المفكرين الآخرين، كما أنها تضيِّق من زاوية تقييمه للأمور التي تُعرض عليه، بحسب الزاوية التي يرى منها هذا المفكر أو ذاك، لهذه الأمور.

فهناك من المفكرين من يتعاطون مع القضايا المعروضة على الأمة من زاوية فكرية ورومانسية قد لا تصلح للتعامل مع الواقع الراهن، بينما تجاهل الجانب الفكري، بدوره، إذا ما كان الأخذ فقط من أحد مفكري المدرسة الواقعية؛ يقود إلى مشكلات؛ حيث إن الأسباب الموضوعية ليست هي كل شيء، كما أن الأمور القيمية والزوايا الفكرية والأخلاقية، ليست – بدورها – هي كل شيء.

ومن بين الظواهر السلبية التي تعبر عنها هذه المشكلة؛ ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح "التظاهر الثقافي" أو "المظهرية الثقافية"، فهناك من يختار مفكرًا بعينه لكي ينقل عنه، ويكون ذلك المفكر من النخبة التي لا يستطيع الكثيرون فهم أو متابعة أفكارها، أو تمتاز بخصوصية الأسلوب والفكر والطرح، وبالتالي لا يكون معروفًا من جانب الآخرين؛ فيعطي ذلك عنه انطباعًا بالتعمق والتبحُّر، وبأنه مثقف حقيقي، بينما هو مدَّعٍ.

مشكلة أخرى هنا، وهي مهمة لأنها تتعلق بصورة المسلم، وخصوصًا الدعاة والمفكرين؛ حيث إن تضييق نطاق الرؤية، والتعصب لكاتب أو مفكر أو لعالم بعينه، يخلق صورة ذهنية سلبية عنه لدى الآخر، سواء المختلف معه فكريًّا، من العلمانيين والليبراليين في عالمنا العربي والإسلامي، أو لدى الآخر غير المسلم من الأصل، في بلداننا العربية والإسلامية، أو خارجها.

ترتبط هذه المسألة بقضية أو عملية توسيع الأفق المفاهيمي لدى أبناء الحركة الإسلامية؛ حيث إن توسيع الاتجاهات في البحث والأخذ وتكوين الرؤى، أمر شديد الأهمية في هذه العملية، وهو قانون عمراني مهم، أدركه المسلمون الأوائل.

فنجد أنه في فترات ازدهار دولة الخلافة الإسلامية، وصعودها الحضاري؛ اعتمدت، ضمن ما اعتمدت عليه من أدوات لتحقيق نهضتها الحضارية، على النقل والترجمة، بما في ذلك الفلسفات اليونانية والصينية، بالرغم من كل ما تحتويه من رؤى تخالف عقيدة الإسلام، وكان المترجمون الذين يجيدون اللغات الأخرى، كما في عهد هارون الرشيد، يوزنون بالذهب لأهميتهم في هذا الذي نقول.

"إن تعقيد وتنوع المشكلات التي تواجهها الحركة الإسلامية في عصرنا الحالي، تفرض الاطلاع في مختلف الاتجاهات، وعلى مختلف المشارب والمدارس"

إن تعقيد وتنوع المشكلات التي تواجهها الحركة الإسلامية في عصرنا الحالي، تفرض الاطلاع في مختلف الاتجاهات، وعلى مختلف المشارب والمدارس.

فما تمر به الحركة الإسلامية في الوقت الراهن؛ إنما هو من السنن العمرانية، السياسية والاجتماعية، وبالتأكيد، فقد عُرِضت المشكلات الراهنة على الجماعة المسلمة من قبل، أو الجماعات البشرية الأخرى عبر التاريخ، ومن ثَمَّ؛ فإن توسيع نطاق الرؤية، والأخذ؛ يساعد على معرفة الوسائل الصحيحة التي تعاملت بها الأمة والأمم الأخرى، سلفًا، في مثل هذه المواقف، بدلاً من التجريب في كل مرة، والبحث في كل مرة، بما يترتب على ذلك من إضاعة وقت ثمين، وإهدار للجهد والموارد.

ومن جهة أخرى؛ فإن ذلك يفادي بنا فعل ذات الأخطاء التي وقع فيها السابقون، ومعرفة ما الذي أدى إلى تراجع الأمم السابقة، وزوال الحضارات التي سبقت.

ومن هنا؛ فإن قضية تنويع الاتجاهات وأهمية توسيع الأفق المفاهيمي عند أبناء الحركة الإسلامية، ليست من نافلة القول؛ بل إنها إحدى أهم أدوات العمل الحركي الصحيح، وتتجاوز في أهميتها النواحي الفكرية المتعلقة بالزاد الروحي الذي يكتسبه الداعية أو السياسي المسلم، إلى آفاق عملية أخرى تتعلق بكيفية تفاعله مع الحدث، وتعاطيه مع نتائجه، وتوظيفه أو معالجته؛ حسبما يتطلب الموقف.

ومن هنا، يظهر دور مهم للأطر التربوية داخل الحركة الإسلامية، بحيث يتم توعية الصف وتوجيهه إلى هذه النقطة، واقتراح منظومة قراءة واطلاع متكاملة، تخلق لديه قاعدة مفاهيمية واسعة، تقود إلى توسيع مداركه وذهنه، وبالتالي تحسين قدراته على التعامل مع مختلف القضايا والمشكلات.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

فرنسا من الداخل “مصادرة الآراء واضطهاد أصحاب الفكر المخالف”

خدعونا فقالوا أن فرنسا هي بلاد النور. وضللونا فقالوا أن فرنسا هي أصل الجمال، والموطن …