إعلامنا الذي نريد (2-2)

الرئيسية » بصائر الفكر » إعلامنا الذي نريد (2-2)
mediapolicies
إن كل تجربة لها خصوصيتها وظروفها، بحيث تجعل من الصعب وضع قواعد ثابتة لمختلف الحالات

ماذا تعني "الإسلامي"؟

هل نعي أن هذه التصنيفات تساهم في عزل أصحاب المشروع الإسلامي عن مجتمعهم، وتغذي حالة انفصالنا نحن الملتزمين عن مجتمعاتنا؟ وكأننا فئة من خارج النسيج الاجتماعي لأهل البلد؟ أو كأن لنا عالماً خاصاً (فن إسلامي – إعلام إسلامي – اقتصاد إسلامي...).

أصحاب المشروع الإسلامي هم جزء من المجتمع، وإذا أساء البعض استخدام الفن – مثلاً - فتحول هابطاً، فهذا لا يعني أن أنفصل عنه وأشكل قسماً خاصاً للفن الإسلامي، أو إطاراً للإعلام الإسلامي.. كلانا يؤدي رسالة إعلامية، فإن تجرد هو من القيم والضوابط، فنحن لا نفعل. هذا هو الفرق فقط. وكلانا يندرج عملنا في الإعلام.

هل "الإسلامي" هو في الشكل أو المضمون؟

وأسأل: حين نقول نريد المجتمع الإسلامي، هل يعني أن يتحول أهل البلد إلى رجال دين، وإشارات السير يتحول شكلها إلى مآذن، ورنات المنبه باتت صلاة على النبي أو أذاناً؟ بالتأكيد لا.

"يمكن أن يندرج تحت "الإسلامي" كل ما لا يتعارض مع الضوابط الشرعية. كل إعلام يخدم القيم والأخلاق هو يخدم رسالة الإسلام، وكل إعلام يخدم المجتمع فهو يخدم الفكرة الإسلامية"

يمكن أن يندرج تحت "الإسلامي" كل ما لا يتعارض مع الضوابط الشرعية. كل إعلام يخدم القيم والأخلاق هو يخدم رسالة الإسلام، وكل إعلام يخدم المجتمع فهو يخدم الفكرة الإسلامية.

دعونا نتحدث إذن عن الإعلام المجتمعي الملتزم بالضوابط الشرعية، أو هو إعلام القيم أو الإعلام الملتزم.. الملتزم برسالة. ولنخرج من عزلة "الإسلامي".

والآن ننتقل إلى النقطة الأخيرة والأهم وهي: ما هو الخطاب الذي يجب أن تتبناه المؤسسة الإعلامية التابعة لحركة إسلامية.

خطابنا الإعلامي

سأحاول الإضاءة على عدة أفكار، لا بدّ أن نتوقف معها عند الحديث عن خطاب المؤسسات الإعلامية للحركة الإسلامية:

1- الحركات الإسلامية تربي أفرادها على مفاهيم وقيم معينة، هي تربية خاصة لفئة خاصة من الناس، كي تعينهم في حمل عبء الدعوة وتحمل مشاقها، سواء في الجانب التربوي أو التعبدي أو البدني (تدريب مدربين)، لكن الحركة الإسلامية في خطابها الدعوي العام (عبر إعلامها) لا تسعى لتأسيس جيل يحمل هذه المواصفات، بل لإنشاء جيل مسلم، وليس جيل حركيّ.

علينا أن نعي حين نخاطب الجمهور العام أن "المجتمعات ليست هي الإسلاميين الحركيين ورؤيتهم السياسية، فليس كل المسلمين مؤمنين بتلك الأفكار، ولا غير المسلمين يطربون لتلك الهيمنة"، يقول د. جاسم سلطان. فما نطلبه لأنفسنا لا يحق لنا أن نلزم به الآخرين، ولا نتوقع أن يهمّ الآخرين.

2- كما سبق أن قلنا، إن الخطاب الحزبي المباشر لم يعد مقبولاً في عصرنا الحالي وهو لا يخدم الرسالة بل يدفع الجمهور إلى النفور منها. ورغم أن معظم المحطات الإعلامية لها خلفيات سياسية أو فكرية، لكن عليها أن تؤدي رسالتها بشكل غير مباشر، إلا في الملفات التي تتطلب موقفاً صريحاً واضحاً. وكلما نجحت المؤسسة الإعلامية "الحركية" بالتجرد من خلفيتها الحزبية، نجحت في كسر حواجز واختراق شرائح جديدة من الجمهور.

3- "لا يكفي أن تقول الحركة الإسلامية بأنها تطالب بالعودة إلى الإسلام كنظام وأن هذا هدفها، فالجمهور يسمع هذا الكلام من الجميع"، والكلام للدكتور عبد الله النفيسي. وهنا يكون الإعلام (لاسيما الإذاعي والتلفزيوني) فرصة للحركة كي تترجم هذا الشعار عملياً من خلال برامجها، حيث تتناول مختلف شؤون الحياة، بمختلف تفاصيلها اليومية.

"على المؤسسة الإعلامية أن تتناغم في خطابها مع المشروع الذي تحمله الجهة المالكة، وهنا نتحدث عن الحركة الإسلامية، بل تعكس المشروع الإسلامي بقوالب متنوعة بحسب طبيعة الوسيلة الإعلامية"

4- على المؤسسة الإعلامية أن تتناغم في خطابها مع المشروع الذي تحمله الجهة المالكة، وهنا نتحدث عن الحركة الإسلامية، بل تعكس المشروع الإسلامي بقوالب متنوعة بحسب طبيعة الوسيلة الإعلامية. وليس من الطبيعي أن تغرّد الوسيلة الإعلامية على هواها فيما التوجه الفكري – مثلاً – للحركة في مكان آخر. فإذا كان خطاب الجماعة يدعو إلى التعايش مع أفرقاء الوطن والانخراط بمؤسسات الدولة والتمسك بها والمواطنة، فلا يمكن أن يكون خطاب مؤسستها الإعلامية العزلة المجتمعية والتقوقع ضمن بيئة منغلقة؟

5- إذا كانت الحركة الإسلامية في مراحل وأقطار معينة قد مرت بأزمات شديدة، وواكبتها أدبيات اصطلح على تسميتها "أدب المحنة".. هذا الواقع يجب أن لا يأسرنا في خطابنا الدعوي والإعلامي. وإذا كانت هذه المآسي تعني شريحة أبناء الحركة الإسلامية، فلا يجب بمكان أن نفرض "ثقافة المحنة" على جمهورنا العام. وبمعزل عن نظرية تجاوز التاريخ وعدم التقوقع فيه، فإنه يجب على الإعلام أن يخاطب جمهوره بما يعنيه وما يهمه. الحركة الإسلامية معنيّة بأن تصنع التاريخ وليس أن تظل أسيرة التاريخ.

6- والأمر نفسه في ما يخص ظروف الحروب التي مرت بها أمتنا، في لبنان أو فلسطين أو أفغانستان أو البوسنة أو سوريا... هذه مراحل زمنية استثنائية، تفاعلنا معها من منطلق الاهتمام بقضايا الأمة، لكنها ليست أصلاً، ولا يجب أن تكون هي الأساس في خطابنا الدعوي، فحالة السلم هي الأساس في الدعوة، وليس الحرب. ونحمد الله أن منشدينا قد تجاوزوا "أدب المحنة" في إنتاجهم، فبعد أن كانت الأعراس والحفلات تنشد فيها "ثوار" و"أماه ديني قد دعاني للجهاد وللفدا"، لعدم توفر غيرها، بات مكتبتنا السمعية غنية بفنون الأفراح والزوجة والأم والطفل... الخ.

7- إذا كان قد أطلق على الإعلام لقب "السلطة الرابعة" سابقاً، فقد بات اليوم هو السلطة الأولى. ولهذا، علينا أن ندرك ابتداءً أن مسؤولية شرعية تقع على عاتق المؤسسة الإعلامية في خطابها للجمهور، وكل فعل سلبيّ ينتج عن أيّ تحريض ضدّ الدولة أو ضدّ طائفة أو حزب مثلاً، فإن المؤسسة الإعلامية تتحمل مسؤولية هذا العقل شرعاً وقانوناً. فإذا التزمت إذاعة أو فضائية خطاباً تحريضياً تصادمياً، فإن أيّ فعل ينتج عن هذا التأثير في نفوس الجمهور، تتحمل وزره المؤسسة الإعلامية ومن خلفها الحركة الإسلامية.

8- من الصعوبات التي تواجه المؤسسة الإعلامية في عملية التخطيط، اختلاف أمزجة الجمهور، تبعاً لاختلاف انتماءاتهم الحزبية أو الطائفية أو السياسية، أو حتى المناطقية.. والأصل أن الوسيلة الإعلامية تريد الوصول إلى مختلف هذه الشرائح. إرضاء جميع الأذواق والثقافات غاية لا تدرك. وهذا يعيدنا إلى أهمية تحديد الشرائح المستهدفة، والنسب في توزيعها.

9- أيضاً من الصعوبات التي تواجه المؤسسة الإعلامية النجاح في المواءمة بين الحيادية المطلوبة في العمل الإعلامي وبين الرسالة التي تحملها المؤسسة الإعلامية، انطلاقاً من خلفيتها الفكرية أو السياسية، ما يدفعها للانحياز أحياناً، وهذا مقبول. ونظرية الحيادية والتجرد المطلقة هي أكذوبة تدرسها كليات الإعلام. الحيادية نسبية، والتحدي في تقديم رسالتك.. بمهنية.

10- إذا أردنا أن نكون إعلاماً مؤثراً متفاعلاً مع الجمهور (بمختلف أطيافه) ونتحلى بالحدّ الأدنى من الحرفية بحيث تنافس الوسائل الأخرى، لاسيما في بلد منفتح ومتنوع كلبنان، إن هذا النمط يتطلب اعتماد مدرسة التيسير في الأحكام الشرعية والفتاوى، كما يبرز أهمية إعادة النظر ببعض الأحكام والاجتهاد، لاسيما مع التطور الكبير في وسائل الاتصال الجماهيري.. وهذا من ميزات ديننا الحنيف أن الخلاف في آراء الفقهاء ترك لنا فسحة في التعاطي، بحيث نستطيع التحرك ضمن مساحة واسعة، والأحكام تقدّر بحسب الظروف المحيطة. ولذلك، فإنه من المعيقات للعمل الإعلامي أن يتولى صياغة خطاب أو إدارة مؤسسة إعلامية عامة (غير دينية) شخصية دينية الأصل فيها تحرّي الحلال والحرص على اتقاء الشبهات.

"فضاء حراك الوسيلة الإعلامية أرحب من فضاء الحركة في عملها السياسي، وهذا يجب أن تستفيد منه الحركة الإسلامية والبناء على ما تشقه لها مؤسستها الإعلامية في تواصلها مع مختلف فرقاء الوطن"

11- فضاء حراك الوسيلة الإعلامية أرحب من فضاء الحركة في عملها السياسي، وهذا يجب أن تستفيد منه الحركة الإسلامية والبناء على ما تشقه لها مؤسستها الإعلامية في تواصلها مع مختلف فرقاء الوطن، وقد يكون منهم خصوم.

12- إذا كانت الحركة الإسلامية تدعو إلى وحدة الصف والتعاون والتلاقي على الخير، فهذا يجب أن يترجم عملياً في وسائل إعلامها، حيث تفتح الباب لمختلف أطياف الساحة الإسلامية للظهور أو الإفادة من منبرها الإعلامي هذا، وعدم الاقتصار على تصدير رموزها فقط، مع ضرورة أن تستفيد الحركة من هذا المنبر لتدريب رموزها – بمختلف تخصصاتهم - على اللقاءات الإعلامية.

13- بهدف التزام المهنية، تتصدى وسيلتنا الإعلامية لمهمة نقل الخبر بتجرد. لكن علينا أن نعيَ أن القارئ أو المستمع هو لا يلجأ للاستماع إليك لمعرفة الخبر فقط، بل لمعرفة موقفك من هذا الخبر. فإذا غاب هذا الموقف – ولو بشكل مبطن – فقدت الوسيلة الإعلامية دورها ورسالتها.

14- من واجب إدارة المؤسسة الإعلامية أن تسمع الآراء من مختلف الأطياف، لكن من حقها أيضاً أن تنتقي من هذه الآراء ما يتناسب مع منطلقاتها وأهدافها.

وأختم بالقول، إن كل تجربة لها خصوصيتها وظروفها، بحيث تجعل من الصعب وضع قواعد ثابتة لمختلف الحالات، وهذا ما دفعني إلى تجنب الأمثلة الواقعية التي قد تنطبق على حالة دون الأخرى.

وهنا أدعو الأعزاء العاملين في الحقل الإعلامي، وأصحاب الرأي، أن يثروا هذه الورقة بأفكارهم وملاحظاتهم وتجاربهم.. لعلنا نصل إلى دراسة متكاملة تفيد أداء المؤسسات الإعلامية للحركة الإسلامية.

أسأل الله أن ينفع بما قدمت.. وأن يلهم مؤسساتنا الإعلامية لتقدّم إعلاماً محترفاً، يرتقي إلى قيمة المشروع الإسلامي الذي تحمله.

 

لقراءة الجزء الأول من المقال. اضغط هنا

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
إعلامي لبناني - مدير عام إذاعة الفجر في لبنان

شاهد أيضاً

الإسلام وفن إدارة الأزمات

لا تخلو حياة الأمم والشعوب من الأزمات والمحن المتوالية التي تتكرر على مدى السنوات، تتوقف …