الأقصى بانتظار الأقصى

الرئيسية » بصائر من واقعنا » الأقصى بانتظار الأقصى
نصرة_الاقصى

هل لكم حظ في نصرة الأقصى يا أيها العاشقون لمسرى الحبيب المصطفى وأنتم في أقصى الأرض؟

هل حقاً يمكن أن يتحول ما تحملوه من مشاعر صادقة تموج بين أضالعكم إلى عمل مؤثر يسهم في تحرير المسجد الأقصى؟

هل عليكم أن تجتازوا الجبال والوديان وتعبروا البحار والأنهار وتقطعوا الفيافي والقفار كي يتحقق النصر على أيديكم؟

أليس الأقربون (جغرافياً) أولى بالمعروف وأحق بالنفير دفاعاً عن شرف الأمة وكرامتها؟

ولكن، ألستم أتباع هذا الدين القويم وقدوتكم ونبيكم محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ولكم في المسجد الأقصى حق كما لأي مسلم يتبع خاتم الأنبياء، وعليكم واجب تجاهه كأي مسلم يتلو سورة الإسراء؟

إن الله تعالى امتدح الذين لا يبالون ببعد المسافات عن الجهر بالحق والسعي لإحقاقه والمبادرة إلى نصرة الحق وأهله والانتصار للمظلوم حتى لو تباعدت الديار ونأت. فقال جلَّ من قائل: (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون) 20 – 21 سورة يس. فلم تكن الإشارة إلى أنه (من أقصى المدينة) عبثاً، ففي تقديم الجار والمجرور على الفاعل إشارة إلى معنى جليل كما ذكر ذلك العلماء، وهو أن بعد المكان لا يعوق من أراد الاستجابة واتباع المرسلين، كما أن القرب قد لا يكون من دواعي الإجابة. وكأن في هذه الآيات التي وردت هذه الآية في سياقها مثالاً لحال كفار قريش من أهل مكة، وحال الأنصار من أهل المدينة، حين جاء أهل المدينة رغم بُعدهم وآمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يؤمن كفار قريش من أهل مكة مع قربهم[i]. كما أن في ذلك إشادة بأهل أقصى المدينة وثناء عليهم، وأنه قد يوجد الخير في الأطراف ما لا يوجد في الوسط، وأن الإيمان يسبق إليه الضعفاء الذين يسكنون في الغالب في أطراف المدن؛ لأنهم لا يصدهم عن الحق ما فيه أهل السيادة من ترف وعظمة إذ المعتاد أنهم يسكنون وسط المدينة[ii].

وهناك لطيفة أخرى أوردها هنا لإخواننا في أقاصي الأرض، فإن الرجل الناصح الذي "جاء من أقصى المدينة يسعى" لم يحضر ما حضره القوم المنذرين ولم يشهد ما شهدوا من الآيات والنذر على أيدي المرسلين، ومع ذلك فقد كان الدافع عنده عظيماً للاتباع والدفاع عن الحق وأهله. وكذلك فعل عماد الدين زنكي ونور الدين الشهيد وصلاح الدين الأيوبي، فقد تحركوا من أجل المسجد الأقصى وهم لم يروه في حياتهم ولم يطؤوا أرضه المباركة من قبل ولم يثنهم ذلك عن التحرك لأجله.

ثم إن الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لنصرة المرسلين أكرمه الله بالجنة فقال: (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين)، كما أنّ الذي جاء من أقصى المدينة يسعى ليحذر موسى عليه السلام من المتربصين به قد خلدت سيرته الآية الكريمة: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين) 20 القصص.. كما أن الله قد أكرمه بإنقاذ موسى عليه السلام، مع درس عظيم لنا بأن نبياً من أولي العزم من الرسل احتاج لمساعدة شخص مجهول من مكان بعيد ليشير عليه وينصحه بما هو أصلح له ولدعوته. وحسبهما أن الله وصفهما بوصف الرجولة والسعي وعدم السكون، وليس ذلك إلا لخواص الخواص.

إن الصحابة الذين هاجروا مبكراً إلى الحبشة لم يكن لهم أي مشاركة في بدر أو أحد أو الخندق أو غيرها من السرايا والغزوات، ومع ذلك فقد عدّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم متقدمون في الأجر والثواب على الذي انعقدت عليه نياتهم.. ولذلك فقد أكرم الله جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه بالشهادة مباشرة بعد غزوة خيبر التي حضر بعد انتهائها وذلك في غزوة مؤتة التي تلتها.

يروي الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري قصة تكريم النبي صلى الله عليه وسلم لأولئك المهاجرين فيقول: (بلغَنَا مخْرَجُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ونحنُ باليمن، فخرجنا إليهِ أنا وأَخَوانِ لي أنا أصغَرُهُم، أحدُهُما أبو بُرْدَةَ والآخرُ أبو رُهْم، إما قال: في بضع، وإما قال: في ثلاثةِ وخمسين، أو: اثْنَينِ وخمسينَ رجلاً في قومي، فركِبْنا سفينة، فألْقَتنا سفينَتُنا إلى النجاشيِّ بالحبَشة، فوافَقنا جعفرَ بنَ أبي طالب، فأقَمنا معه حتى قدِمنا جميعاً، فوافَقنا النبيَّ صلى الله عليه وسلم حين افتَتَحَ خيبر، وكان أناسٌ مِنَ الناسِ يقولون لنا يعني لأهلِ السفينة: سبَقناكم بالهِجرة. ودَخلت أسماءُ بنتُ عُميسٍ، وهي مِمن قدِم معنا، على حفصةَ زوجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم زائرةً، وقد كانت هاجرت إلى النجاشيِّ فِيمَن هاجرَ، فدخل عمرُ على حفصةَ وأسماءُ عِندَها، فقال عمرُ حين رأى أسماء: مَن هذه؟ قالت: أسماء ُبنتُ عُمَيس، قال عمرُ: آلحبشيةُ هذه، آلبحريةُ هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبَقناكم بالهجرة، فنحن أحقُّ برسولِ اللهِ منكم، فغضبتْ وقالت: كلاَّ والله، كنتم مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُطعمُ جائِعكُم، ويَعظُ جاهِلَكُم، وكنا في دارِ -أو في أرضِ- البُعَداءِ البُغَضاءِ بالحبشة، وذلك في اللهِ ورسولهِ صلى الله عليه وسلم، وايمُ اللهِ لا أطْعَمُ طعامًا ولا أشربُ شرابًا، حتى أذكرَ ما قلتُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ونحن كنا نُؤذى ونخافُ، وسأذكرُ ذلك للنبيِّ صلى الله عليه وسلم وأسألُه، واللهِ ولا أكذبُ ولا أزيغُ ولا أزيدُ عليه. فلما جاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبيَّ اللهِ إن عمرَ قال كذا وكذا؟ قال: (فما قُلتِ له). قالت: قلتُ له كذا وكذا، قال: (ليس بأحقَّ بي منكم، وله ولأصحابهِ هجرةٌ واحدةُ، ولكم أنتم -أهلَ السفينةِ- هجرتان). قالت: فلقد رأيتُ أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالا، يسألونني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو بردة: قالت أسماء: رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني). (صحيح البخاري).

"ما على من حرم المشاركة في طاعة من الطاعات لسبب قاهر إلا أن يعقد النية صادقاً فيها مع ربه ألا يتأخر لحظة واحدة عن بذل كل وسعه دون أدنى تردد"

ما على من حرم المشاركة في طاعة من الطاعات لسبب قاهر إلا أن يعقد النية صادقاً فيها مع ربه ألا يتأخر لحظة واحدة عن بذل كل وسعه دون أدنى تردد مثله في ذلك جعفر بن أبي طالب وأصحابه من أهل السفينة رضي الله عنهم، وليكن شعاره قولة أنس بن النضر رضي الله عنه: (ليرين الله مني ما أصنع).. كما أخبر عنه أنس بن مالك رضي الله عنه حيث قال: (غاب عِمِّي أنسُ بنُ النضرِ عن قتالِ بدرٍ، فقال: يا رسولَ الله، غبتُ عن أولِ قتالٍ قاتلتَ المشركين، لئن اللهُ أشهدني قتالَ المشركينَ ليَرَيَنَّ اللهُ ما أصنع. فلما كان يومَ أُحُد، وانكشفَ المسلمون، قال: اللهمَّ إني أعتذرُ إليكَ مما صنع هؤلاء، يعني أصحابَه، وأبرأُ إليكَ مما صنعَ هؤلاء، يعني المشركين. ثم تقدَّمَ فاستقبلَهُ سعدُ بنُ معاذ، فقال: يا سعدُ بنَ معاذٍ الجنةُ وربِّ النضر، إني أجدُ ريحها من دونِ أُحُد، قال سعد: فما استطعتُ يا رسولَ اللهِ ما صنع، قال أنس: فوجدنا بهِ بضعًا وثمانين: ضربةً بالسيفِ أو طعنةً برمحٍ أو رميةً بسهم، ووجدناهُ قد قُتِلَ وقد مَثَّلَ به المشركون، فما عرفَهُ أحدٌ إلا أختُهُ ببنانِه. قال أنس: كنا نرى، أو نظنّ: أنَّ هذهِ الآيةَ نزلت فيهِ وفي أشباهِه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوْا مَا عَاهَدُوْا اللهَ عَلَيْهِ}. إلى آخرِ الآيةِ). صحيح البخاري

وهذا المسجد الأقصى، ساق الله له صلاح الدين الكردي الآذري (من أذربيجان) ليأتيه "يسعى" لنصرته فجعل الفتح على يديه، ومن بعده ساق الله سيف الدين قطز السلجوقي التركي ليحقق نصراً عظيماً للمسلمين في معركة عين جالوت على أرض فلسطين.

وشعوب إندونيسيا وماليزيا وتايلند ومن حولهم، وشعوب الجمهوريات الإسلامية جنوب روسيا والقوقاز وغيرهم، يمكن أن يكون لهم دور عظيم في نصرة قبلتهم الأولى ومسجدهم الأقصى المبارك بأفكارهم وأموالهم ودعائهم ورجالهم وشبابهم.. بصدقهم مع الله وحسن نيتهم في نصر دين الله.. قال تعالى: إن تنصروا الله ينصركم. ومن ابتغى الخير يسره الله له (ونيسره لليسرى).. والتاريخ يشهد بأن الله قد نصر دينه بحفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم على أيدي رجال من أقصى الأرض.. لم يكونوا عرباً كالبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم..

ومن المهم هنا عدم قصر النصرة على نمط معين من الأعمال والوسائل، فالنصر من عند الله ولا تحكمه موازيننا المادية فقد ينزله الله تعالى بأعمال لا تخطر ببال أحدنا، فنصر بدر بدأ بفكرة من صحابي غير مشهور بيننا هو الحباب بن المنذر أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بما يحقق التفوق العسكري على الأعداء وقد كان. وفي غزوة الأحزاب ساهمت فكرة سلمان الفارسي في حماية المدينة (حفر الخندق)، كما وساهم في ذات الغزوة صحابي حديث عهد بالإسلام وهو (نعيم بن مسعود) برد الكفار على أعقابهم لم ينالوا خيراً. وقد لمسنا ما يمكن أن تفعله إرادة المشاركة لدى تلك الشعوب الحية في شرف نصرة قضية المسلمين الأولى، فالكثير من أبواب الخير قد فتحت على أيدي أبناء تلك البلاد لإغاثة المنكوبين وكسر الحصار عن المحاصرين ودعم المجاهدين في فلسطين، تشهد لهم الدماء الزكية التي سالت على سفينة "مافي مرمرة" التركية والتي مرت ذكراها قبل أيام وما يزال شهداؤها العشرة مصدر إلهام واعتزاز للشعب التركي الأصيل، ولم يقتصر ذلك على الطرق التقليدية بل تعداه إلى وسائل حديثة مبتكرة، أغاظت العدو الصهيوني، منها أناشيد جهادية باللغة الملاوية، وهجمات إلكترونية على المواقع والحسابات الصهيونية.

ولا عجب ولا غرابة أن يصطفي الله من تلك البلاد من ينصر مسرى نبيه صلى الله عليه وسلم، فمناط الأمر إلى الصدق مع الله وحسن الإعداد والأخذ بالأسباب ونبذ التعصب لقومية ضيقة وشعوبية مقيتة قطّعت أوصال المسلمين وشغلت كل فئة منهم بنفسها عن هموم غيرها، وقيدت أيديهم عن نصرة بعضهم البعض وآيات الله تتلى على مسامعهم (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر).

لا عجب ولا غرابة أن نلتقي رجالاً في أقصى الأرض يسمون أبناءهم صلاح الدين الإندونيسي وعز الدين الماليزي أملاً في أن يكون لهم شرف تحرير المسجد الأقصى المبارك.. وعندما يتحقق موعود الله بدخول المسجد الأقصى المبارك (كما دخلوه أول مرة)، فسيكون هناك شركاء كثر في تحقيق وعد الله ونصره قد نعلمهم وقد لا نعلم كثيراً منهم. يكفيهم أن الله يعلمهم ويدري بهم، ويكفيهم ما ذكره عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي رواه البخاري عن أَنَسٍ –رَضِيَ الله عَنْهُ– قَالَ: رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ النَّبِيِّ –صلى الله عليه وسلم– فَقَالَ: "إنَّ أَقْوَاماً خَلْفَنَا بِالمَدِينَةِ مَا سَلَكْنَا شِعْباً، وَلاَ وَادِياً إِلاَّ وَهُمْ مَعَنَا، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ".

-------------------------------------------------------------------------------------------

[i]  انظر تفصيل هذا الاستنباط في كتاب :ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل للحافظ أحمد بن ابراهيم الغرناطي [2/904- 907].

[ii] ذكر هذا التوجيه الطاهر ابن عاشور في التحرير والتنوير [11/365-366].

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

“بحرينيون ضد التطبيع” .. يتصدر تويتر

تصدر وسم "بحرينيون ضد التطبيع" موقع التواصل الاجتماعي تويتر، الجمعة، ردا على إعلان المنامة التوصل …