الإسراف في الطعام وأثره على العبادة في رمضان

الرئيسية » بصائر من واقعنا » الإسراف في الطعام وأثره على العبادة في رمضان
طعام17

رمضان أقبل فيا قلب أبشر بالراح والطيب، عيون الروح مشرقة بطلعته، ونور العقل قد هنّا جوارحه، فطوبى لمن اغتنم فيه الأجر واكتسب.

جاء رمضان الخير والطاعات، رمضان الصيام والقيام وطيب الكلام، جاء الامتناع عن الطعام، من طلوع الفجر حتى تغيب الشمس عن الأنام، فماذا أعددت لرمضان؟ هل أعددت روحك للعبادة، أم أعددت جسدك للطعام والشراب كما هي العادة؟!! هل رمضان شهر الطعام أم شهر الصيام والقيام؟ أسئلة ترد على الذهن تحتاج لتفكير وتدبير، هل نمتنع عن الطعام حتى ننتظر آذان المغرب فنملأ البطون مما هب ودب، فما هو أثر كثرة الطعام على العبادة؟ وما هي التوجيهات النبوية في هذا المقام؟

مما هو معلوم أن أعظم النعم على الإنسان الطعام والشراب؛ الذي هو غذاء الجسد؛ حتى يقوم الإنسان بمهامه ووظائفه، إلا أن للطعام والشراب حدوداً؛ حتى لا تنقلب النعمة نقمة، وهنا يخالف كثير من المسلمين مقصود الصيام بكثرة الطعام والإفراط فيه، فكل ما زاد عن حده قلب ضده، وهذه بعض آثار الطعام الزائد على العبادة والطاعة؟

1- الكسل والخمول وكثرة النوم:

يقول ابن القيم: "من أكل كثيراً، فنام كثيراً، فخسر كثيراً"، ورأس مال المؤمن هو الوقت، فيضيع كثير منه في النوم والتناوم، وقد يقعده الكسل والخمول في بيته فلا طاعة ولا عبادة، فيخسر رمضان بسبب معدة لو ملأها بقليل الطعام لكفاها، ولكن جمال اللقمة وراء اللقمة أنساه أثر ذلك على جسده، فكأنما كان في سكرة اللذة حتى استيقظ متخماً منها.

"العبادة في رمضان تحتاج لنشاط وهمة، من حيث العبادة البدنية من تحمل القيام والجلوس والركوع وغيره، والمعدة المثقلة بالطعام تعيق هذه العبادة، وتجعل صاحبها ثقيل الهمة ضعيف العزم"

2- التعب السريع من الوقوف بسبب ازدياد الوزن وثقل الجسد:

والعبادة تحتاج لنشاط وهمة، خاصة في شهر رمضان حيث العبادة البدنية من تحمل القيام والجلوس والركوع وغيره، والمعدة المثقلة بالطعام تعيق هذه العبادة، وتجعل صاحبها ثقيل الهمة ضعيف العزم، مما يعود بالأثر السلبي على كم العبادة ونوعها، يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه : "الشبع يثقل البدن ويقسي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة".

3- قلة التركيز والتفكير:

فالعبادة تحتاج لذهن وقلب حاضر، وهذا يتعارض مع المعدة المملوءة بالطعام، حيث يقل الأكسجين المبعوث للدماغ عن طريق الدم بسبب الحاجة الكبيرة له في عمليات الهضم والأيض؛ مما يؤدي لشعور بقلة التركيز والنعاس، فلا خشوع في الصلاة، ولا تدبر للقرآن، فذهنه معطل غائب في عوالم أخرى غير عالم الطاعة والعبادة.

4- التسبب في عديد من الأمراض المقعدة للإنسان عن العبادة:

كارتفاع ضغط الدم والإعياء الشديد والسكري وأمراض المفاصل والدوالي وغيره من الأمراض المزمنة التي تقعد الإنسان عن الحركة والنشاط، قال -صلى الله عليه وسلم- في حديث اغتنم خمسا قبل خمس ..منها صحتك قبل مرضك، وهذا دلالة على أن المرض مقعد عن العبادة واغتنام الطاعة.

5- قسوة القلب لكثرة الملاذ الحسية:

"الإسراف في الطعام والشراب والاستمتاع له أثر كبير على القلب، فيقسوا ويقل تأثّره بالعبادة والمواعظ، حتى يصاب المسلم بفتور وغفلة تقعده عن العبادة"

فالإسراف في الطعام والشراب والاستمتاع له أثر كبير على القلب، فيقسوا ويقل تأثُّره بالعبادة والمواعظ، حتى يصاب المسلم بفتور وغفلة تقعده عن العبادة. قال الفضيل: (ثلاث خصال تقسي القلب: كثرة الأكل، وكثرة النوم، وكثرة الكلام).

والجوع والعطش في الصيام يرققان القلب، ويشعرانه بقيمة النعمة والحاجة لرب العزة، بعكس الشبع والارتواء،
قال أبو سليمان الداراني: (إنَّ النفس إذا جاعت وعطشت، صفا القلب ورقَّ، وإذا شبعت ورويت، عمي القلبُ).

التوجيهات النبوية فيما يتعلق بالطعام والشراب:

في سنة وسيرة النبي- صلى الله عليه وسلم- غنىً للمؤمن، وتوجيهاتٍ فيما يتعلق بشتى أمور حياتنا، ومنها الطعام والشراب، فعن المقدام بن معدي كرب قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول" : ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" (رواه الإمام أحمد والترمذي).

فيوجهنا المصطفى إلى التقليل من الطعام والشراب، لأن ملئها رأس الشرور، وبحسب المسلم قليل الطعام فهو يكفيه، أما عن هديه –صلى الله عليه وسلم- في رمضان في الطعام، أنه كان يفطر على رطب، فإن لم يجد فتمر، فإن لم يجد شرب ماء، ودليل ذلك ما رواه أبو داود عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء"، فلم يكن هم النبي- صلى الله عليه وسلم – الطعام بل همه العبادة والطاعة.

ختاماً.. رمضان نعمة عظيمة وموسم للطاعة والعبادة، فلا نضيع مقصود الصيام بكثرة الطعام والشراب، فنخسر رمضان بزيادة لذة أو شهوة، فيكفينا قليل الطعام حتى نبقى على نشاط وحيوية وهمة عالية، فعبادتنا هي التي تنجينا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
تربوي وإداري بخبرة تزيد عن خمسة عشر عاماً، حاصل على درجة الماجستير في الفقه وأصوله من جامعة اليرموك في الأردن، مدرس علوم اسلامية وشرعية، بالإضافة للعمل في عدد من المراكز والهيئات التربوية والدعوية المتنوعة، مدرس علوم قرآن وخبرة في تدريس التلاوة والتجويد.

شاهد أيضاً

الاعتقالات ونصب الكاميرات.. هل تُحرِّك المقدسيين من جديد؟

تؤكد التصرفات المحمومة لحكومة نتنياهو عظم المأزق الذي تسبب به انتصار إرادة المقدسيين على الإجراءات …