بين العمل والعبادة في رمضان

الرئيسية » بأقلامكم » بين العمل والعبادة في رمضان
رمضان2931

يعتقد الكثيرون في زماننا هذا أن شهر رمضان هو شهر لا بد للجسم والعقل أن يحصل على قسط كبير من الراحة حتى الدول الإسلامية تساعد على ترسيخ هذه الفكرة بتأخير وتقليل ساعات الدوام الرسمي، فترى الموظفين لا ينجزون في رمضان عشر ما ينتجونه في غيره من الأشهر، عداك عن العصبية الزائدة الظاهرة منهم في أوقات الدوام؛ متعللين بالصوم نهارا وبالقيام ليلا مع أن قيام ليل رمضان له أشكال مترددة بين القيام الشرعي والقيام سهرا على القنوات الفضائية أو في الخيم الرمضانية الذي يستنزف الطاقات ويهدم الحسنات.

وترى الكم الهائل من اﻻعتراضات واﻻنزعاجات من الطلاب وأهاليهم عندما توافق اﻻمتحانات شهر الصيام متعللين بالتعب والإعياء والإرهاق المزدوج من الدراسة والصيام مطالبين بفتوى تبيح للطلبة بالإفطار للتمكن من الدراسة والتحصيل.

وإذا عدنا الى التاريخ لوجدنا أن اعظم المعارك والغزوات الإسلامية حدثت في شهر الصوم فبدر وفتح مكة وعين جالوت خير شاهد على أن الصوم ليس بمانع من الجد والمثابرة في العمل، بل إن الناظر في سيرة أكابر العلماء أمثال النووي والمرغيناني وغيرهم يجد أنهم ألفوا أعظم الكتب التي نعرفهم من خلالها وهم صائمون؛ لأن الصوم يجعل الدماغ أقدر على التفكر والإبداع لقلة كمية الدماء المتوجهة الى المعدة الفارغة، فتذهب حصتها إلى الدماغ فيزداد نشاطا وحيوية وإبداعا، وكل هذا لمعرفتهم بأن العمل عبادة، وإتقان العمل عبادة أيضا، واﻻستمرار في العمل عبادة كذلك.

وفي أقصى الجهة المقابلة لهذا الصنف نجد صنفا آخراً من الناس يعتزل العمل كليا في شهر الصيام بحجة التفرغ للعبادة وهذا الأمر وإن كان فيه خير ومصلحة فردية إلا أن فيه تعطيلاً لمصالح الناس ومخالفة لقول الله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} فالعمل والعبادة خطان متلازمان لا يمكن لأحدهما أن يسبق الآخر.

والعمل عبادة ولا يجوز قصر العبادة على الصلاة والصوم وترك غاية هامة من غايات الخليقة وهي الإعمار والتي ﻻ تتحقق إﻻ بالعمل الجاد الدؤوب المتقن. مذكرا أن العمل مسؤولية وأمانة يجب حفظها وتأديتها بحقها وإن التقاعس عن العمل بحجة الصيام مخالف لأساسيات الأمانة وشروطها ولم نسمع او نقرأ عن تعطيل أو تقليل للعمل أو جودته بحجة الصيام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أو خلفائه الراشدين بل نجد الأحاديث الصريحة والأحداث والوقائع لا تدلل إﻻ على الحث على العمل والعبادة معا دون تفضيل بينهما وما التطور والتقدم في تلك الأزمان إلا لتلازم العمل والعبادة.

---------
*إمام وخطيب مسجد المفرق الكبير

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

التوحيد أولا ….. سورة الأنعام

اسم السورة هو "الأنعام" وعلى الرغم من ورود هذه الكلمة "الأنعام" في مواضع قليلة من …