تربيتنا بين الطاعة والمبادرة

الرئيسية » بصائر تربوية » تربيتنا بين الطاعة والمبادرة
face_off_israeli_soldier_palestinian_man

اعتدنا في منهجنا على اعتماد مبدأ "الطاعة" كأحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها حركتنا. فالطاعة مفهوم شرعي وضرورة تنظيمية طالما تردد ذكرها في محاضن الحركة التربوية.

وتعاهدها الدعاة جيلاً بعد جيل. حتى صارت ملازمة لكل أخ ينتسب لهذه المدرسة، وهي عقد لا يجوز نقضه وعهد لا يقبل التنكر له.

ولم يكن غريباً أن يجعل الإمام حسن البنا من الطاعة أحد أركان البيعة، التي عرف خلالها صدق انتماء المجاهد لفكرته.

وهي واحدة من علامات الالتزام والانضباط التنظيمي التي لا يمكن الاستغناء عنها، والطاعة واجبة في حق القادة والأفراد على السواء وهي مطلوبة في شتى مجالات العمل الحركي.

والطاعة التي ندعو إليها في صفنا مطلقة لكنها مبصرة. شاملة لكنها واعية، دائمة لكنها لمّاحة. متينة لكنها فطينة. وتعلّم الطاعة والتدرب عليها ثم تطبيقها أمر حيوي خاصة لدى المبتدئين وفي مراحل الانتساب الأولى.

لكن البعض يُسيء فهم هذه المعاني ويتعامل معها بطريقة مشّوهة ومنقوصة. ويحسب أن الطاعة تعني الخمول والقعود بانتظار وصول الأوامر والقرارات المباشرة له. فهو لا يتحرك ولا ينتفض ولا يبادر لأي عمل بحجة أن أحداً لم يطلب منه ذلك.

"البعض يُسيء فهم معنى السمع والطاعة ويتعامل معها بطريقة مشّوهة. ويحسب أن الطاعة تعني القعود بانتظار وصول الأوامر والقرارات له. فهو لا يبادر لأي عمل بحجة أن أحداً لم يطلب منه ذلك"

ويرى أمامه الفرصة سانحة فلا يقتنصها، وتكون الثمرة ناضجة بيّنة فلا يمدّ يده لالتقاطها متذرعاً بأنه ملتزم بالطاعة التنظيمية فهو لا يُقدم على أي خطوة بدونها.

وهذا خللٌ تربوي ينبغي تداركه وخطأ في الفهم يجب إصلاحه، هذه التربية على المبادرة الذاتية شرطها واحد بمنعك من القيام بأي عمل يخالف قراراً واضحاُ للحركة أو يعارض سياسة واضحة تحددها القيادة.

والمبادرة تحتاج إلى فقه ووعي وعين لمّاحة وسرعة بديهة وقدرة على الأداء مع مراعاة الظروف والأولويات والموازنات.

وللمبادرة حكايات سبقك إليها الأولون. فرسموا لك الطريق كي تلحق. ونبدأ بقصة هدهد سليمان الذي حلق يجوب الفضاء يبحث عن فرصة يخدم بها دين الله ويفتش عن إنجاز يضعه بين يدي قائده. حتى قال لسليمان عليه السلام "وجئتك من سبأ بنبأ يقين" وقُبل عذره للغياب وعفا عنه سليمان بعد أن هدده بالعقاب.

وكان نتيجة هذه المبادرة دخول قوم بأكملهم في دين الله، وإذا بحثت عن تجارب البشر فأمامك الصحابة الكرام وهم خير الأجيال وأنقاها وأشدها التزاماً. وقد كانوا يعتبرون طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ديناً يتعبدون الله به.

لا يخالفون أمره في شيء. ويستجيبون لإشارته. ويتسابقون لتنفيذ قراراته لا يتردد أحدهم لحظة واحدة. شعارهم كمال الطاعة للقيادة. لكن ذلك لم يمنعهم من المبادرة والابتكار والإبداع. إذا لم يروا في ذلك مخالفة لمفهوم الطاعة. بل مكملٌ وداعمٌ له.

فقد بادر الحبابُ بن المنذر وقدم وجهة نظره في تغيير موقع معسكر المسلمين يوم غزوة بدر، فكان لرأيه أثر واضح في تحقيق النصر.

وكذلك فعل سليمان الفارسي حين اقترح حفر الخندق. والذي كان أحد العوامل الرئيسية التي صدت هجوم الأحزاب على المدينة.

بينما ضرب أبو بصير مثالاً على المبادرة الواعية في مرحلة العمل السياسي المعقد التي تلت اتفاقية صلح الحديبية. حين وصل المدينة قادماً من مكة مخالفاً بذلك لأحد بنود الاتفاق، فرده الرسول صلى الله عليه وسلم وقال عنه "ويل أمه. مُسعر حربٍ لو كان معه رجال". فالتقط أبو بصير الإشارة وعلم أن الفرد يسعهُ ما لا يسع الجماعة وأن بإمكانه المبادرة والتصرف بما لا يتعارض مع السياسة العامة للقيادة. فاختار موقعاً على طريق تجارة قريش وانضم إليه آخرون، وهاجموا قوافل قريش حتى اضطرت لإجراء تعديل على بنود اتفاقية صلح الحديبية.

"التربية على المبادرة الذاتية شرطها واحد بمنعك من القيام بأي عمل يخالف قراراً واضحاُ للحركة أو يعارض سياسة واضحة تحددها القيادة"

وقد عاتب الرسول صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه حين تأخروا عن المبادرة بانتظار الأوامر الصريحة المباشرة.

إذ لما كان فتح مكة أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دماء بعض المشركين ومنهم عبد الله بن سعد بن أبي السرح الذي كان مسلماً فارتد ولحق بالكفار. ثم اختبأ عند عثمان بن عفان الذي جاء به بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم فقال عثمان: يا رسول الله بايع عبد الله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً والرسول يرفض. ثم بايعه بعد الثالثة. ولكنه أقبل على الصحابة الحاضرين فقال "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله" فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك. ألا أومأت إلينا بعينك. قال: "إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين". بينما تمر حركتنا في بعض المراحل والمحن يكون فيها تقطع للخطوط التنظيمية بسبب الضربات الأمنية. فيكون من القيادة تصريح وإعلان بتجاوز الإشارة والإيماءات. وتكون لدى بعض أبناء الحركة قدرة على العمل وإمكانيات للتنفيذ. لكنه يتقاعس وبتثاقل إلى الأرض. ويتذرع بعدم وصول أمر مباشر له، أو عدم استقباله لقرار خاص به.

فتضيع فرصاً ونخسر إنجازات مفترضة. وتتعطل طاقات وتذوب قدرات كان يمكن لها أن تساهم في الوصول إلى أهداف أكبر وخلال فترات زمنية أقصر.

إن أداءنا التربوي مطالب بالمزج بين التأكيد على مفهوم الطاعة والحث على المبادرة الذاتية المنضبطة وأن تستخرج الحركة مكامن القوة في عناصرها، وأن تفجر طاقاتهم المدفونة.

وعلى خِطابنا الدعوي أن يزرع مبدأ الثقة بالنفس لدى أبناء الحركة، كي لا يعتادوا على الاعتماد على الغير، وكي لا يقعدوا عن العمل خشية الفشل.

وإذا كانت التربية شاملة متكاملة متراكمة. رأينا في صفنا من يقتدي بالحباب وسلمان وأبي بصير فيقترب النصر وينكسر الحصار ويتراجع العدو.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب في موقع بصائر، قيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وناطق باسمها. أسير فلسطيني محرر في صفقة وفاء الأحرار.

شاهد أيضاً

أصول تربية الأبناء في أول سنتين من الميلاد

قد يعجب البعض حين نتحدث عن عملية تربوية لها أصول وقواعد وثوابت في السنة الأولى …