فك الأسير.. ضرورة إنسانية وواجب شرعي

الرئيسية » بصائر الفكر » فك الأسير.. ضرورة إنسانية وواجب شرعي
احتلال1

مرت ذكرى يوم #الأسير في هذا العام مروراً عابراً وهي تحمل الكثير من الآلام والمآسي. فالآلاف من الأسرى على مختلف شرائحهم ما زالوا قابعين داخل زنازين الاحتلال، يتعرضون لأقسى صور التعامل وسلب الحقوق، ناهيك عن صور التعذيب البدني والنفسي وغيرها.

لا ينكر أحد أن #الأسرى الفلسطينيين يمثلون شريحة واسعة من أبطال هذا الشعب، كيف لا وهم من اعتقلوا لأجل الدفاع عن وطنهم، والسعي لتحرير أرضهم بشتى السبل والإمكانات، ورفض القبول بالاحتلال أو التعايش معه.

ولهذا كان السعي لتحريرهم حلماً يراود كل فلسطيني شريف، ونتيجة لذلك فالتاريخ الفلسطيني مليء بالأحداث التي لجأت فيها الفصائل الفلسطينية لتحرير الأسرى، من خلال خطف الجنود الصهاينة ومبادلتهم بأسرى فلسطينيين وفك قيودهم من سجون الاحتلال، كان آخرها صفقة وفاء الأحرار التي خرج بموجبها مئات الأسرى من السجون الصهيونية.

صفقة وفاء الأحرار وما قبلها، تنتدرج تحت مقاصد التشريع الإسلامي الرئيسة، وأبرزها حفظ النفس المسلمة، من القتل والتعذيب، والإهانة ومصادرة الحقوق والحريات

إن صفقة وفاء الأحرار، وما قبلها من عمليات التبادل أو محاولات خطف الجنود لتحقيق هذا المقصد، تنتدرج تحت مقاصد التشريع الإسلامي الرئيسة، وأبرزها حفظ النفس المسلمة، من القتل والتعذيب، والإهانة ومصادرة الحقوق والحريات.

إن الشريعة الإسلامية ما جاءت إلا لتوجد مجتمعاً متماسكاً مترابطاً كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، ولهذا إن تعرضت فئة منه لسوء أو مكروه كان الأمر بوجوب رفع ما يتعرضون له، ودفع الأذى والمفسدة عنهم.

وفي هذا الصدد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فكوا العاني (الأسير)، وأطعموا الجائع ، وعودوا المريض" (رواه البخاري). فكان الأمر النبوي بفك الأسير وتحريره من قيوده، والأمر يدل على الوجوب كما نص على ذلك العلماء، فوجب على الأمة أن تحررهم من قيودهم بأي طريقة كانت، لأن النفس المسلمة غالية، فلا يجوز بقاؤها تحت سيطرة العدو، يذيقها صور الهوان والإذلال، وفي هذا يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لأن أستنقذ رجلاً من المسلمين من أيدي الكفار، أحب إلي من جزيرة العرب".

واعتبر الفقهاء فك الأسير صورة من صور الجهاد في سبيل الله، فوجب على الأمة أن تقوم بتحريرهم، وإن قصّر البعض في هذا الأمر، فإن على البقية القيام به؛ لأن الواجب منوط بجميع الأمة، وواجب على كل من يستطيع القيام به أن لا يتوانى في تنفيذه، بأي سبيل كانت.

يقول أبو عبيد وهو أحد فقهاء المسلمين في كتاب الأموال: "يحق على الإمام والمسلمين فكاكهم واستنقاذهم من أيدي المشركين بكل وجه وجدوا إليه سبيلاً، إن كان برجال أو مال".

حرية الأسير جزء لا يتجزأ من حرية الأمة المسلمة، ومظهر من مظاهر عزتها وقوة شأنها، ولا عبرة لقوة الأمة طالما أن أعداءها ما زالوا يسيمون بعض أفرادها سوء العذاب

كما أن حرية الأسير جزء لا يتجزأ من حرية الأمة المسلمة، ومظهر من مظاهر عزتها وقوة شأنها، ولا عبرة لقوة الأمة طالما أن أعداءها ما زالوا يسيمون بعض أفرادها سوء العذاب، في أقبية وغياهب السجون.

وقد أجاز الفقهاء استخدام القوة في فك الأسرى، وردوا على بعض الشبه التي تثار حول هذا الموضوع، وأبرزها مدى مشروعية الجهاد لتحرير الأسرى ولو أدى إلى إزهاق أرواح أكثر منهم عدداً؟ فكان جوابهم أنه إذا شرع الجهاد لإزالة العوائق التي تعترض طريق الدعوة، ودفع الأخطار المحتملة التي قد تواجهها، وبذل المهج والأرواح لتحقيق ذلك، فمن باب أولى أن تكون لرفع الظلم والحبس عن المسلمين. بل واعتبر بعضهم أسر العدو للمسلم، مثل دخول العدو البلد المسلم واحتلاله لجزء من الأرض إن لم يكن أعظم من ذلك.

إذن فإن تحرير الأسرى، وفك قيودهم صورة من صور الجهاد، وقربة من القربات، وهذا ما نص عليه العز بن عبد السلام حيث قال: "وإنقاذ أسرى المسلمين من أيدي الكفار من أفضل القربات، وقد قال بعض العلماء: إذا أسروا مسلماً واحداً وجب علينا أن نواظب على قتالهم حتى نخلصه أو نبيدهم، فما الظن إذا أسروا خلقاً كثيراً من المسلمين!!".

لذا طالما أن ما سبق يؤكد على وجوب فك الأسرى وتحريرهم، فإن ترجمة هذا الأمر وجعله واقعاً وحقيقة هو الأهم. بمعنى آخر، إذا كان همنا تحرير الأسرى، فإننا لابد أن نوجد العديد من الخطوات لأجل ذلك، بحيث تحوي أموراً ومراحل عدة.

أول هذه الخطوات تتمثل بإجبار المحتل على إطلاق أبطالنا من السجون والمعتقلات، عبر خطف الجنود، ولا شك أن أعين الكثير من أهل الأسرى وذويهم تتجه نحو أبطال المقاومة في الضفة وغزة، تترقب ذلك اليوم الذي تكتحل أعينهم برؤية أبنائهم الذين فرق الاعتقال بينهم لسنوات إن لم يكن لعقود.

ولا بد أن يرافق ذلك حملات منظمة لفضح اليهود، وإبراز قضية الأسرى على جميع المحافل الدولية والحقوقية، بالإضافة إلى إيجاد خطوات كفيلة بعدم اعتقالهم مرة أخرى وإن كانت هذه تخضع للظروف والواقع ومرهونة بمتغيراته.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

جدل تصريحات آمنة نصير وقضايا نساء أقلِّيَّاتنا المسلمة المتوارية!

تشهد ساحات الإعلام والإفتاء في مصر والعالم العربي هذه الأيام، ولاسيما منصَّات التواصل الاجتماعي، الكثير …