أسرِج للعَشر خيولك

الرئيسية » خواطر تربوية » أسرِج للعَشر خيولك
63386_1600x1200-wallpaper-cb1358462619

أشعلتَ حرائقَ تكاد أن تلتهمك، وأضرمت نيراناً توشك أن تهلكك، وغفلت طويلاً عن حسابٍ ينتظرك، وها هي العشر بأنوارها تغمرك، فسارع وسابق فإنها فرصتك!!

الحق بركب الرّاكعين السّاجدين، واحجز مكانك بين الخاشعين المتبتّلين، واجأر بدعائك لربّ العالمين، فالسوق قد نصبت، والأرباح قد رصدت، وبيوت الله أضيئت، والصلوات أقيمت، والدلالون صفوفهم انتظمت، وأصواتهم صدحت، تنادي على التجار، هو موسم الإزهار، هو موسم التشييد والإعمار، وبه الذنوب تزول والأوزار، هو موسم لتنزّل الأمطار، بهطولها يخبو لهيب النار.

إنها ملائكة الرحمن الصّافات تملأ الدروب والطرقات، تدعونا لاغتنام شهر الطاعات، وتحثنا على المسارعة إلى الصلوات، أصيخوا سمعكم لندائها: (إنَّ للهِ ملَكًا يُنادي عندَ كلِّ صلاةٍ: يا بَني آدمَ! قوموا إلى نيرانِكُم الَّتي أوقَدتُمُوها فأطفِئُوها).

الراوي: أنس بن مالك، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الترغيب، الصفحة أو الرقم: 358، خلاصة حكم المحدث: حسن لغيره

ونيرانكم التي أوقدتموها: أي ذنوبكم وسيئاتكم، فأطفئوها بالصلاة، فإن للذنوب حرارة وتوقد لا تُطفأ إلا بالعبادة، وأعظمها الصلاة. قال ابن رجب - رحمه الله -: (ولمّا كانَت الصلاة صلة بين العبد وربه، وكان المصلّي يناجي ربه، وربه يقربه منه؛ لم يصلح للدخول في الصلاة إلا من كان طاهراً في ظاهره وباطنه؛ ولذلك شرع للمصلي أن يتطهر بالماء فيُكفّر ذنوبه بالوضوء، ثم يمشي إلى المساجد فيُكفّر ذنوبه بالمشي، فإن بقي من ذنوبه شيء كَفّرته الصلاة. قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: الوضوء يُكفّر الجراحات الصغار، والمشي إلى المسجد يُكفّر أكثر من ذلك، والصلاة تُكفّر أكثر من ذلك).

ترى، هل شعر أحد منا بخطر تلك الحرائق التي قد تلتهم كل حسناته وأعماله الصالحة، هل شعر بفداحة الخطب أن يأتي يوم القيامة فلا يجد في ميزانه سوى رماد تلك الحرائق التي أتت على أعز ما يملك قبل أن يطفئها. فهل من منادٍ رفيقٍ حميم، يردّد قول الملاك الكريم، بصوت نديٍّ جميلٍ رخيم، عساه يداوي قلب السّقيم: أطفئوا حرائقكم التي أشعلتموها، أطفئوا نيران المعاصي والذنوب، أريحوا بالصلاة القلوب، عسى هاجراً للكتاب يؤوب، عسى عاصياً مذنباً أن يتوب، لا تضيعوا ركعة واحدة من الفرائض والسنن، فهي والله غالية غالية، قال عنها الحبيب صلى الله عليه وسلم لمّا مرّ بقبر: (ركعتانِ خفيفتانَ مما تحقرونَ وتنفلونَ يزيدهُما هذا -يشيرُ إلى قبرٍ- في عملهِ أحبُّ إليهِ من بقيَّةِ دُنياكُم).

الراوي: أبو هريرة، المحدث: الألباني، المصدر: السلسلة الصحيحة ، الصفحة أو الرقم: 1388، خلاصة حكم المحدث: صحيح بمجموع طرقه.

التراويح التراويح، القيام القيام، التهجد التهجد، إنه موسم الصلاة فلا تضيّعوه، وهو موسم القرآن فلا تهجروه، وموسم الإحسان للفقراء والمساكين والمحتاجين فانتهزوه. ألا ما أعظم نعمة الصلاة وما أجلّ قدرها، وما أكرم الله إذ منّ علينا بتلك الصلوات الحبيبات المكفِّرات للذنوب والخطيئات، فعنها قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تحترِقونَ تحترِقونَ، فإذا صلَّيتُم الصُّبحَ غَسَلَتْها، ثمَّ تحترِقونَ تحترِقونَ، فإذا صلَّيتُم الظُّهرَ غَسَلَتْها، ثمَّ تحترِقونَ تحترِقونَ، فإذا صلَّيتُم العصرَ غَسَلَتْها، ثمَّ تحترِقونَ تحترِقونَ، فإذا صلَّيتُم المَغربَ غَسَلَتْها، ثمَّ تحترِقونَ تحترِقونَ، فإذا صلَّيتُم العِشاءَ غَسَلَتْها، ثمَّ تنامونَ فلا يُكْتَبُ عليكُم حتَّى تستَيقِظُوا).

الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الترغيب، الصفحة أو الرقم: 357، خلاصة حكم المحدث: حسن صحيح.

وإذا كانت مكانة الصلاة جليلة في سائر الأيام فهي في هذه العشر أجلّ وأعلى، فالذي يزين ليلة القدر ويميزها ما يخصها به المؤمن من طاعات وقربات، ولعل أعظم طاعة فيها هو ما خصّها به النبي صلى الله عليه وسلم ألا وهو الصلاة والقيام بقوله: (مَن قام ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه، ومَن صام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه). الراوي : أبو هريرة، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 1901.

إنها أيام العتق وتكفير السيئات، ولا يكون ذلك بالتسكع في الطرقات، أو التسمّر أمام الشاشات متابعة للمسلسلات، أو وصل الليل بالنهار في الأسواق لشراء الحاجيات، أو الاعتكاف لا في المساجد وإنما على مواقع التواصل الاجتماعية، وتصفح الشبكة العنكبوتية، أو النوم ملء الأجفان، والغفلة عن أوقات الأذان في أعظم أيام العمر والزمان.

فيا من بلّغه الله شهر رمضان، وشرّفه بالانتماء لأمة القرآن، أقدِم بعجرك وبجرك، بجهلك وظلمك، بغدراتك وفجراتك، بذنوبك وخطاياك، وأحمالك الثقال الثقال، ضعها بين يدي ذي الجلال، مستبشراً بحديث نبيه صلى الله عليه وسلم: (إنَّ العبدَ إذا قَامَ يُصلِّي أُتِي بُذُنوبِه كُلِّها فَوُضِعَتْ على رأسِه وعاتِقَيْهِ، فكُلَّما رَكعَ أو سَجدَ تَساقَطَتْ عَنْهُ).

الراوي: عبدالله بن عمر، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الجامع، الصفحة أو الرقم: 1671، خلاصة حكم المحدث: صحيح

تخفّف ليوم الحشر من أثقالك، وتقرّب إلى مولاك بتذلّلك وانكسارك، تبرّأ من كل ظالم يقودك إلى المهالك، ولا تشغل نفسك بأهلك ومالك.

أسرج في هذي العشر خيولك، وانطلق قبل المنايا أن تزورك، عساك تحظى بالعتق والمغفرة من رحيم رحمن، لتنعم بجوار النبي العدنان صلى الله عليه وسلم في أعلى الجنان.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

كيف نحقق التوكل الصادق؟

لا شك أنَّ التوكل على الله من عوامل الراحة النفسية، بل من أهم أسباب الرزق …