السُّنن الاجتماعية في الإسلام.. ميزان العدل وضمانة الاستقرار

الرئيسية » بصائر الفكر » السُّنن الاجتماعية في الإسلام.. ميزان العدل وضمانة الاستقرار
mahkame-1

من بين أهم الأمور التي يجب على العاملين في الفكر الإسلامي، في جانبه التطبيقي، والباحثين في حقل العلوم السياسية والاجتماعية، وفق الرؤية الإسلامية، في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها المشروع النهضوي الإسلامي، أن يعملوا على توضيح الجوانب العمرانية، السياسية والاجتماعية، بقوانينها التي أتى بها الإسلام، وكيف هي ميزان العدل والضمانة الأساسية لاستقرار المجتمعات.

وهذه ليست صورة أو قناعات تنبع من تحيز عقيدي أو فكري، لاعتبارات انتمائنا الإسلامي، وإنما هي حقائق أثبتها التاريخ، ورسختها دولة الخلافة عبر قرون طويلة، ساد فيها العدل والسلام ربوع المشرق العربي الإسلامي، والعالم القديم؛ لم يعرف فيها العالم، حروبًا طائفية أو فتنٍ مذهبية، وكان الاستقرار والسلام المجتمعيَيْن في ظل دولة العدل التي أرساها الإسلام، نموذجًا أمام العالم كله، وما كانت الفوضى لتحدث؛ إلا في الفترات التي كانت تضعف فيها دولة الخلافة، أو لا يتم تطبيق شريعة الإسلام كما هي في صورتها السليمة النقية.

وتأتي أهمية التأكيد على مثل هذه المعاني في ظل تطورات مسَّت صُلب القناعات العقدية لدى الكثير من المسلمين، مع تشويه الأساس السياسي والمجتمعي للنموذج الإسلامي في الحكم بالمعنى الواسع، في ظل دخول صراع الحق والباطل في العالم العربي والإسلامي، إلى مرحلة جديدة بعد الربيع العربي.

"كان الربيع العربي فرصة مهمة لتقديم النموذج الحركي والحقيقي للإسلام عندما يحكم، وكيف أنه سوف يقيم دولة العدل، ويكافح الفساد"

كان الربيع العربي فرصة مهمة لتقديم النموذج الحركي والحقيقي للإسلام عندما يحكم، وكيف أنه سوف يقيم دولة العدل، ويكافح الفساد، ويرسي الاستقرار، وأن النموذج الإسلامي في الحكم، كما أنزل الله تعالى، وبما أنزله عزَّ وجلَّ، هو الأكثر قدرة على التعامل مع المستجدات، وقيادة المجتمعات التي يحكمها إلى الخير والسعادة في الدنيا والآخرة.

هذه الأمور بطبيعة الحال، كافح خصوم الدين والدعوة طيلة قرون طويلة من أجل التشويش عليها وإخفائها، وإظهار النموذج الإسلامي في الحكم، في صورةٍ سلبية مغايرة، من أنه يعني حكم المستبد غير العادل، وأن دولة الشريعة دولة ظلم وظلام.

أتى المشروع الصحوي الإسلامي، بعد الربيع العربي بواقع مغاير، وكاد أن يهدم الكثير من السياسات الرواسخ الرواسي لقوى الفساد والاستبداد الداخلية، بمنظوماتها السياسية والاجتماعية، وقوى الاستكبار العالمي التي تتعاون معها وتحميها، وتتبادل معها المصلحة، وهو ما كان ينبغي أن يتم التصدي إليه، ولو بالقوة المسلحة، كما يتم فعلاً الآن في أكثر من بلدٍ عربي شهد ثورات أطاحت برؤوس أنظمة، وإن لم تقتلع الأنظمة نفسها.

ومن ثَمَّ؛ أتت الحملة المضادة للمشروع الإسلامي، لتمس ثوابت الشريعة الإسلامية ذاتها، وفي مختلف المجالات؛ ما هو أخلاقي وقيمي ومعنوي بشكل عام، وما هو تطبيقي وعملي، كما في جزئية الحكم والاستقرار المجتمعي، وذلك كله من أجل انتزاع قضية "النموذجية" من المشروع الصحوي الإسلامي، ونزع الجاذبية الجماهيرية عنه.

وهنا تأتي أهمية التأكيد على المحتوى القيمي والتطبيقي في منظومة الحكم والسنن الاجتماعية في الإسلام.

يحتوي الإسلام على مجموعة من المنظومات التي تضمن ضبط الأمور بضوابطها التي شرعها رب العزة سبحانه لخلقه، بما في ذلك ضبط عملية التشريع وإنزال الحكم الشرعي الإلهي ذاته، على أرض الواقع.

أي أن الضبط وصرامته في الإسلام شملت حتى كيفية تطبيق شريعة الله سبحانه، ومنهاجه، وهو ما يخرِج نظام حكم ينشأ من هذه الطبيعة الضابطة الصارمة في ضبطها من أي احتمال للذاتية والظلم، والإسلام غير مسؤول بطبيعة الحال عن سوء التطبيق أو الخروج عن قواعده، والقول –من جانب البعض– بأن هذا الخروج إنما هو من صميم الإسلام، ولكن ذلك واجب المفكرين والساسة والتربويين أن يوضحوا ذلك.

"العدالة التي هي صنو الاستقرار، هي القيمة العظمى في الإسلام، وتنضبط في أعلى السلَّم القيمي لهذا الدين الحنيف"

فهناك العديد من القواعد الفقهية التي تضبط عمل الفقيه، مثل "لا ضرر ولا ضرار"، وفوقها وأعلى منها، القواعد الأصولية، والتي تعني في المفهوم الشرعي، المنظومات والقواعد التي يضعها الأصولي، وتنظم عمل الفقيه، مثل "الأمر يفيد الوجوب"، و"النهي يفيد التحريم"، وكلها أمور تضمن ضبط الفتوى وإصدار الحكم الشرعي السليم فيما يُعرَض ويستَجدُّ من أمور على المجتمع والأمة؛ فلا ينحرف، ولا يغلِّب مصلحة أو أهواء.

وما يضبط عمل الفقيه، يضبط عمل القاضي، والقضاء –مثله مثل الشرطة وغيره من مؤسسات إنفاذ القانون وحفظه– له وظيفة مجتمعية شديدة الأهمية؛ فهو الذي يضمن الاستقرار المجتمعي، ما ساد العدل فيه، أما لو انحرف القاضي والشرطي –والتي في جانب من أدوارها كما القضاء، ضمان الاستقرار وإنفاذ القانون، بجانب حفظ الأمن– فإن الناس سوف تفقد الثقة في مؤسسات العدل وأحكامها، ومن ثَمَّ؛ تلجأ إلى وسائل أخرى للحصول على حقوقها، وهو ما يعني الفوضى.

والعدالة التي هي صنو الاستقرار، هي القيمة العظمى في الإسلام، وتنضبط في أعلى السلَّم القيمي لهذا الدين الحنيف، تليها المساواة، ثم الحرية، وكلها منضبطة بضوابط الشريعة الإسلامية.

فنجد في القرآن الكريم "لا تزر وازرةُ وزر أخرى"، بنصها ومعناها في خمسة مواضع، وفي سُورة "المائدة"، يقول رب العزة سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)}.

هنا، في سنن الإسلام المجتمعية، والتي تسبغ بطبيعة الحال على قواعد الحكم والنظام السياسي في دولة الإسلام، نجد قمة العدل، وقمة الضبط المجتمعي، وقمة النظام، فلا مجال لطغيان الذاتية والمصلحية على وظيفة العدل، ولا على سياسات المؤسسات، ولا على سلوك الأفراد، ولو حدث ذلك؛ تكون دولة الشريعة مسؤولة عن تصويبه.

ونختم بعودٍ على بدء؛ فنؤكد على أن واجب الوقت، هو التعرف إلى سُنن الله عز وجل في خلقه، وذلك لن يتم إلا من خلال المعرفة العقلية وقراءة التاريخ قراءة جيدة، وهي سُنَّة قرآنية لا تُدحَض.. يقول سبحانه: {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ (10)} [سُورة "الرُّوم"].

هذا هو الإسلام كما أراده الله تعالى، وكما وضع شريعته، وليس كما حرَّفه الآخرون من أنصار الفرق والشِّيَع؛ قديمًا وحديثًا!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

فرنسا من الداخل “مجازر بشعة وإعدامات”

خدعونا فقالوا أن فرنسا هي بلاد النور. وضللونا فقالوا أن فرنسا هي أصل الجمال، والموطن …