النخبوية .. وفكرة الرواحل لدى الحركة الإسلامية

الرئيسية » بصائر الفكر » النخبوية .. وفكرة الرواحل لدى الحركة الإسلامية
large_1238382400

معلوم أن هدف الحركة الإسلامية في فلسطين تحرير الأرض من المحتل، والتمكين لدين الله بين الناس، وهي لن تصل إلى ذلك قبل أن تصبح الحركة الأكثر انتشارا بين جماهير الشعب، والتنظيم الأشد مكانة والأعظم أثرا والأقدر على إحداث التغيير.

وهذا يدفعنا للبحث عن صيغ حركية وهيكلية دعوية تجمع بين الانتشار الشعبي، بفتح الأبواب مشرعة أمام المنتسبين والمنضوين تحت لواء الحركة الإسلامية، وبين التركيز على ضرورة الانتماء وحسن الاختيار للعناصر.

لقد اعتمدت الحركة الإسلامية في سنوات عمرها الأولى سياسة التشدد في استيعاب العناصر الجديدة، فهي لا تقبل إلا من ترى فيه استعدادا كاملاً والتزاما مطلقا، وماضيا نقيا وبيئة مقبولة، وكان التركيز يتم على فئة الطلبة والمثقفين، ويفضّل أن يكون من المتفوقين والمتميزين، وعادة ما يوضع هؤلاء في مرحلة اختبار وتقييم تسبق دخولهم النهائي داخل الدعوة، ثم يتبع ذلك عملية تربية متينة ومتابعة حثيثة أملا في إنشاء نماذج متميزة قادرة على إدراك الأسس والمبادئ، ومستعدة للعمل والتحرك من أجل تحقيق الأهداف.

وأشتهر في أدبياتنا مقولات "الكيف لا الكم" و"الإنتقاء يقي المصارع" وكثير غيرها، وكلها تؤكد على أهمية ونوعية اختيار العناصر، وتقديمها على العدد والحجم.

وهذا كلام معقول وتوجه مقبول، والحاجة إليه ضرورية خاصة في مرحلة التأسيس وفي زمن البدايات، وهو أمر حيوي لا غنى عنه في التعامل مع الرعيل الأول.

"إذا تمكنت الدعوة من جعل نسبة الرواحل في صفوفها قريبة من واحد بالمائة. فإنها بمأمن من الزلل والخلل، ولها عند ذلك أن تتوسع وتنتشر كما تشاء"

كما فعل النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام مع السابقين الأوائل من الصحابة الكرام، حيث أختارهم من صفوة الناس، ومارس عليهم تربية مركزة، فقامت عليهم دعوة الإسلام، فقد صبروا وتحملوا الأذى ثم هاجروا وجاهدوا في سبيل الله، وثبتوا عند الردة، ونقلوا الإسلام نقيا متكاملا إلى الأجيال اللاحقة، لكن هذا لا يعني أن تقتصر الدعوة على الرواد الأقوياء الخٌلّص، ولا ينبغي لها أن تتحول إلى "تنظيم النخبة" بحيث يطيب لهم العيش على هيئة ثلة منغلقة معزولة عن بقية الناس.

إذ يمكن للدعوة أن تستوعب في صفوفها ضعيف الهمة، وقليل الذكاء، ومحدود القدرات، ولها أن تضمّ إليها من به شيء من جبن وتردد، أو من لديه بعض النقص والخلل، أو من لم تنضج معالم شخصيته، ومن لم تكتمل لديه مكارم الأخلاق.

لكن هذا التوسع في استيعاب الأعداد وزيادة الانتشار الأفقي يجب أن تصاحبه مجموعة من الشروط والضوابط التي تضمن سلامة السير وحسن الاستمرار.

أن لا ندخل إلى صلب الدعوة عناصر شديدة الحرج، أو صاحب هوى يبحث عن مصلحة شخصية، ونرفض من له ارتباط بقوى تخالفنا في المبدأ وتصادمنا في الميدان، إذ أن الولاء المطلق شرط لا بد منه، ولا مكان بيننا لحامل فكرٍ متطرف فيه غلو وتعنت يتعارض مع منهجنا القائم على الوسطية.

أن نتشدد أكثر في مواصفات من يتم اختياره لمجالس الشورى أو الهيئات القيادية، وكذلك الأمر في اللجان العامة التي تشرف على مهام حساسة وحيوية، وينطبق الأمر على من يشارك في وضع السياسات العامة أو يساهم في وضع الخطوط التربوية والفكرية للدعوة، وأن تكون نسبة النخبة إلى بقية العناصر كافية لضبط الإيقاع والسيطرة على دفة الأمور بحيث لا تنحرف المسيرة ولا تختل الأسس والثوابت التي تقوم عليها الدعوة.

وتبقى الحاجة مستمرة ودائمة لزيادة حجم النخبة وتأهيل العناصر الجديدة للانضمام إليها، إن فكرة النخبة أو النواة الصلبة أو الرواحل كما يمكن أن نطلق عليها مرتبطة بطبيعة البشر وبتفاوت قدراتهم وإمكاناتهم، فنحن نعلم أن نسبة كبيرة بين الناس يلتفون حول الرواحل ويتبعون خطاهم ويلتزمون بتوجيهاتهم.

وهذه النظرية مستوحاة من الحديث الصحيح الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ((تجدون الناس كإبل مائة. لا يجد الرجل فيها راحلة)).

"أخطأت الحركة الإسلامية حين ترددت في بعض المراحل المتأخرة عن فتح أبوابها لاستقبال القادمين لها، ولم تبذل جهودا كافية لاستيعاب الجيل الناشئ الباحث عن دور له في مجريات الصراع مع المحتل"

ورأيي أنه إذا تمكنت الدعوة من جعل نسبة الرواحل في صفوفها قريبة من واحد بالمائة. فإنها بمأمن من الزلل والخلل، ولها عند ذلك أن تتوسع وتنتشر كما تشاء.

إن من واجب الدعوة أن لا تطالب العناصر بما تطالب به الرواحل لأن في ذلك تعنت وتكلف غير واقعي، وأن من يريد أن يرى كل أبناء الدعوة ومناصريها على قدر الرجال الأوائل هو صاحب تصور مثالي جانب الصواب، وهذا بالتأكيد لا يعني الإهمال في تربية العناصر أو الاكتفاء والقبول بما يلاحظ من مظاهر النقص والتراجع.

وهذا التفاوت موجود في كلام الإمام البنا حين خص في بعض توجيهاته من سماهم الإخوان المجاهدين من الإخوان المسلمين، وطالبهم بتكاليف أكثر من غيرهم.

لقد أخطأت الحركة الإسلامية حين ترددت في بعض المراحل المتأخرة عن فتح أبوابها لاستقبال القادمين لها، ولم تبذل جهودا كافية لاستيعاب الجيل الناشئ الباحث عن دور له في مجريات الصراع مع المحتل مما جعل البعض يتجه نحو لافتات أخرى لم تحسن استغلاله أو استثمار طاقته.

كما أنها قصّرت أحيانا، على تفاوت بين المناطق، في التعامل مع أجيال أكبر سنا ممن كانت لهم ميول حزبية أخرى في السابق، أو عامة الناس الذين لم تتح لهم فرصة كافية للتعرف على الدعوة، ولم تستثمر الحركة الإسلامية من الإمكانات لإيجاد صيغ ملائمة لكل هؤلاء.

ولا يخفى على أحد اليوم أهمية الكم والعدد سواء عند إجراء انتخابات أو المشاركة في مسيرات واحتفالات جماهيرية، وأصبحت البيئة الشعبية الحاضنة ضرورة لحماية المقاومة، وتأكيد شرعيتها في زمن أدعىّ فيه البعض أنه يمثل هذا الشعب ويتحدث باسمه، مستغلا ذلك للتفريط في الحقوق والتنازل عن الثوابت.

إن مقياس نجاحنا مرتبط بالحفاظ على هذه المعادلة التي تمزج بين الكم والكيف. وهذا يحتّم على الحركة الإسلامية أن تضع هدفا لكل تحرك ونشاط تقوم به تحت عنوان ((الإتيان بأخ جديد أو الارتقاء بأخ قديم)).

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب في موقع بصائر، قيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وناطق باسمها. أسير فلسطيني محرر في صفقة وفاء الأحرار.

شاهد أيضاً

“وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ”.. ما “الطريقة”؟ وكيف نستقيم عليها؟

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا} [سُورة "الجن" …