رمضان شهر الحرية الحقيقية

الرئيسية » خواطر تربوية » رمضان شهر الحرية الحقيقية
الحرية11

يقول أحد الحكماء: "الحريَّةُ تمامُ العبودية، وفي تحقيقِ العبودية تمام الحرية"، ما أجمله من كلام! وما أصدقه! فلن تكون عبداً على وجه الحقيقة إلا إذا كنتَ حُراً، ولن تصل إلى هذه الحرية حتى تصطبغ بصبغة العبودية.

ونحن في شهر عظيم، يستحق أن يوصف بأنه شهر الحرية، نعم أيها الأحباب، شهر الحرية، شهر الاستعلاء على مطامع الجسد، شهر التحرر من العادات المستحكمة.

قد يقول قائل كيف تقول إنه شهر الحرية وكله ممنوعات ممنوع الطعام والشراب والشهوات فأين هي الحريه ؟؟

إن تمام الحرية قد يكون بالمنع أحيانا، فالمريض حين يمنع عن الطعام الذي يضره إنما تُحَدّ حريته في الطعام مؤقتاً؛ لتسلم له بعد ذلك حريته في تناول ما يشاء من الأغذية.

المجرم حين يسجن إنما تحد حريته مؤقتا؛ ليعرف كيف يستعمل حريته بعد ذلك في إطار كريم لا يؤذي نفسه ولا يؤذي الناس.
حين تستولي على الإنسان عادة الانطلاق وراء كل لذة، والانفلات من كل قيد، تكون قد استعبدته اللذة على أوسع مدى، فأصبح أسيرها، يجري في الحياة تحت إرادتها ووحيها؛ فهل هذه هي الحرية ؟!.

" الحريةَ الحَقَّةَ أن تستطيع السيطرة على نفسك وأهوائك ونوازعِ الشَّرِّ فيك، ألَّا تستعْبِدَكَ عادةٌ، ولا تستغلَّك شهوةٌ"

أية عبودية أذلّ من هذه العبودية، وهو لا يملك حرية في الحب والكره، والمنع والرضا، والغضب والهدوء والاضطراب!
ليست العبوديَّةُ عادةً تتحكَّم، وشهوةً تستعْلِي، ولَذَّةً تُطَاع؛ وليست الحريَّةُ هي القدرة على الانتقال من بلد إلى بلد؛ فتلك أيسر أنواع الحرية، وأقلُّها ثمنا؛ ولكنَّ الحريةَ الحَقَّةَ أن تستطيع السيطرة على نفسك وأهوائك ونوازعِ الشَّرِّ فيك، وإنَّ الحريَّةَ الحقَّةَ ألَّا تستعْبِدَكَ عادةٌ، ولا تستغلَّك شهوةٌ. بهذا المعنى كان المؤمنون الملتزمون بشرع الله أحراراً.

إن الدين حرّر نفوسهم من المطامع والأهواء والشهوات، وربط نفوسهم بالله خالق الكون والحياة، وقيد إرادتهم بإرادته وحده، والله هو الحق، وهو عنوان الخير والحب والرحمة، فمن استعبده الحق والخير والرحمة كان متحرراً من كل ما عداها من صفات مذمومة.

بهذا المعنى الدقيق نقول أن رمضان شهر الحرية، و أن الصيام مدرسة لتخريج الأحرار بالمعنى الراقي الصحيح، في رمضان جوع وعطش، وفيه قيد وحرمان ظرفي، ولكنه يمنحنا القوة، ويحررنا من العبودية.

إنَّ فيه تمرداً على عبودية الطعام والشراب والشهوة، وعبودية العادة والحياة الرطيبة، في رمضان امتناع عن اللذة باختيار، فهذه هي الحرية، حرية الإرادة، أن تعمل ما يريد عقلك أن يعمله، لا ما تمليه عليك شهواتك، ويأمرك به هواك، وأن تمتنع عما تستطيع فعله، فأنت إذاً قوي الإرادة، تضبط ميولك بعقلك، ولا ينهزم عقلك أمام أهواء نفسك.

ومن اتصف بهذا كان جديرا بالنصر في كل معركة يخوضها، ألا ترى -رحمك الله- إلى قصة طالوت إذ منع جيشه من الشرب من نهر اعترضهم في المسير وهم عطاش منهكون؟ فما أطاعه إلا قليل؛ ولكن النصر كان على يد القلة الصائمة المتحررة من سلطان الشهوة.

{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:249].

لقد هزموهم بعد أن هزموا شهواتهم، وتغلبوا على أعدائهم بعد أن تغلبوا على أهوائهم، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت:69].

" إن أوسع الناس حرية أشدهم لله عبودية، هؤلاء لا تستعبدهم غانية، ولا تتحكم فيهم شهوة، ولا يستذلهم مال، ولا تُضيع شهامتهم لذة"

في رمضان عبودية كاملة لله، وهذه هي الحرية الكاملة للإنسان، إن أوسع الناس حرية أشدهم لله عبودية، هؤلاء لا تستعبدهم غانية، ولا تتحكم فيهم شهوة، ولا يستذلهم مال، ولا تُضيع شهامتهم لذة، ولا يُذل كرامتهم طمع ولا جزع، ولا يمتلكهم خوف ولا هلع.

لقد حرَّرَتْهم عبادة الله من خوف ما عداه، فإذا هم في أنفسهم سادة، وفي حقيقتهم أحرار، وفي أخلاقهم نبلاء، وفي قلوبهم أغنياء وذلك -لعمري- هو التحرر العظيم، وصدق سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين يقول: "ليس الغنى عن كثرة العرَض -أي: المال-؛ إنما الغِنى غِنى النفس".

وفي رمضانَ امتناعٌ عن خُلُقٍ ذميمٍ، وقولٍ ذميمٍ، ومعاملةٍ ذميمةٍ، فما أحلى هذه الحرية! أنت في الخلق الكريم حُرٌّ فلا تساق إلى محكمة، ولا توضع في سجن، ولا تُنتقَص في قدرٍ ولا جاه؛ وأنت في القول الكريم حر، فلا تضطر إلى اعتذار، ولا تتعرض لملامة، ولا يملأ نفسَك ندمٌ؛ وأنت في المعاملة الكريمة حر، فلا تنوبك الألسُن، ولا تتحدث عن خيانتك المجالس، ولا تعلق بذِمَّتك الشبُهات.
هذا هو رمضان أيها الأحباب، يعلمنا الحرية بأجمل معانيها في جوعه وعطشه وحرمانه، فلنتحرر فيه من الهوى والشهوات وحظ النفس .

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

7 تعليقات على هامش الانتخابات الأمريكية

(1) الحرية غالية، ولذلك لا بد أن يُدفع فيها ثمن غال، وقد دفع الأمريكيون ثمنا …