رمضان.. فيه من الخير ما يعفينا من المبالغة بتجميله

الرئيسية » بصائر من واقعنا » رمضان.. فيه من الخير ما يعفينا من المبالغة بتجميله
1-رمضان29

من المعلوم أن الترغيب أسلوب ناجح من أساليب التربية، فيجتهد المربون في تجميل صورة المطلوب، عبادة أو سلوكاً، كي تتقبله النفس وتقبل عليه. وما دمنا نعيش هذه الأيام في رحاب شهر رمضان المبارك، فإننا نلاحظ أقوالاً عن صيام شهر رمضان نجد فيها مبالغة في التزيين، تستدعي التوقف عندها.

لا جدال في أن شهر رمضان هو أفضل الشهور عند الله، وفيه ليلة خير من ألف شهر، والأجر فيه مضاعف، وهو غذاء الروح، وزاد للقلوب، وفي الصيام من الفوائد الصحية الكثيرة.. لذا فإن في شهر رمضان المبارك من الخير العميم والفضائل المجزية ما لا يضطرنا للمبالغة في تجميله..

نصوم التزاماً..

من المبالغات التي ترد على لسان البعض، بأننا نستمتع بتعب الصيام وجوعه!

وأحسب أن هذا الكلام يجافي الحقيقة.. في صيامنا يشتدّ علينا الجوع والعطش ونصاب بالإرهاق طيلة اليوم، ونتحمّل كل هذا لأن الله عزّ وجلّ أمرنا بذلك.. المسلم يمتنع عن ملذات الدنيا امتثالاً لأمر الله تعالى، وليس لأنه يستمتع بالامتناع. وإلا، علامَ ننال الجزاء الكبير الذي وعدنا الله به؟ أليس لأننا تركنا ملذات الدنيا طمعاً بنيل رضاه عزّ وجلّ وطلباً للجنة؟ وعلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حفّت النار بالشهوات وحفّت الجنة بالمكاره"؟

"هل من عيب في أن نعترف أن تأدية عبادة الصيام فيها مشقة على النفس، وتحتاج صبراً وجلداً، لاسيما في فصل الصيف حيث يطول وقت النهار وتشتدّ علينا حرارة الشمس"

ولا أتحدث هنا عن الحلاوة النفسية للطاعة، فهي متحققة بإذن الله، بل أتحدث عن الجانب البدني.

هل من عيب في أن نعترف أن تأدية عبادة الصيام فيها مشقة على النفس، وتحتاج صبراً وجلداً، لاسيما في فصل الصيف حيث يطول وقت النهار وتشتدّ علينا حرارة الشمس، وهو ما يشعرنا بالتعب والإنهاك. نحن نتحمّل هذا التزاماً بأمر الله عزّ وجلّ، ونسأل الله أن يتقبل منا، وليس لأننا مستمتعون بهذا.

وأستذكر ما قاله الشيخ محمد الغزالي رحمه الله عن الصيام: “إن شريعة الصيام تدريب على جهاد النفس والتحكم في مطالبها ورغائبها، وإخضاعها لضوابط الأمر والنهي".

وبالتالي فإن مفهوم الصيام هو ثورة على رغبات النفس، وليس الاستمتاع بها.

الصيام يزيد الإنتاج!

يتحدث بعض دعاتنا عن الصيام، فضله وميزاته وفوائده، ومنها أن الصيام يزيد الإنتاج في العمل.. ونحن حفظنا هذه الفكرة ونكررها كل عام في شهر رمضان، لنردّ على من يقول من غير الملتزمين أو غير المسلمين بأن الصيام يؤثر على الإنتاج.

لكن مهلاً.. لقد جعل الله تعالى في الطعام والشراب من الغذاء والفوائد الصحية ما يقوّينا ويعطينا الطاقة البدنية للعمل. الطعام ليس للتلذذ به فقط، بل له وظيفة أساسية بأن يعطي الجسم القدرة على بذل الجهد، وقد جعل الله أجراً لمن يأكل (في غير رمضان) بنيّة التقوي على طاعة الله.

إن المعادلة الصحية البديهية: حتى يستطيع الجسم القيام بمهامه المطلوبة منه، فإنه يحتاج غذاءً.. وغياب الغذاء يقلّل من القدرة على بذل الجهد.

وتراني أحسن الظنّ فأقول إن من يتحدث بفكرة زيادة الإنتاج يقصد الإنتاج الذي يتطلب جهداً ذهنياً فقط، فالصيام يولّد صفاءً ذهنياً، هذا صحيح. لكن لنتخيل العامل الذي يتطلب عمله جهداً بدنياً أو وقوفاً طويلاً خلال النهار تحت الشمس الحارقة.. هل سيزيد الجوع والعطش من إنتاج هذا العامل؟ بالتأكيد لا.

وبالتالي، هل من ضير في أن نقول: نعم قد يؤثر الصيام سلباً على إنتاج معظم (أو بعض) العمال، لكن شهر رمضان بالمقابل موسم لغذاء الروح وتزكية النفس، ونحن نرتضي الخسارة الدنيوية (القليلة نسبياً) طمعاً بالأجر الرباني الكبير.

الغزوات في رمضان

ومما يتكرر كل سنة للتدليل على أن الصوم يزيد من قوة الجسم والإنتاج، مقولة أن معظم غزوات المسلمين كانت في شهر رمضان المبارك. وحين نعود إلى التاريخ نفاجأ أن الأمر غير صحيح، فنكتشف أن عدد المعارك والوقائع العسكرية للمسلمين التي خاضوها بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم هو (28)، اثنتان منها فقط في شهر رمضان، وهي: غزوة بدر (17 رمضان)، وفتح مكة (20 شهر رمضان).

ورغم هذا العدد القليل (معركتين من أصل 28 معركة) فإننا نسأل أيضاً: هل اختار المسلمون توقيت هذه المعارك بسبب صيام رمضان، أو أن الأمر كان غير مقصود؟!

هو توافق زمني ليس أكثر.

مواسم جعلها الله

وقد سمعت خطيب جمعة يقول: لقد كان السلف الصالح يقضون النصف الأول من السنة وهم يدعون الله أن يبلّغهم شهر رمضان، والنصف الثاني يجتهدون في الدعاء بأن يتقبل منهم ما قدموه في شهر رمضان.

" إن العبادات محطات في حياة الإنسان، يلتزم بها الإنسان امتثالاً لأمر الله عزّ وجلّ، لكنها لا تصرفه عن عمارة الأرض"

أعترف أنني لست أهل علم كي أستطيع التوثق من صحة هذا الكلام، لكن أسمح لنفسي أن أقول: إن الله عزّ وجلّ قد خلقنا في الأرض لنعمرها، وجعل أشكالاً كثيرة من العبادة، وحدّد مواسم معينة للطاعة، كالصلاة والصيام والحج.. فيمارس المسلمون حياتهم الطبيعية وفق منهج الله، وحين يحين موعد محطة عبادية معينة، يتوقف السعي الدنيوي لتأدية العبادة المأمورين فيها، ثم نستأنف بعدها ممارسة حياتنا اليومية، إلى أن يحين موعد المحطة الثانية.

إن العبادات محطات في حياة الإنسان، يلتزم بها الإنسان امتثالاً لأمر الله عزّ وجلّ، لكنها لا تصرفه عن عمارة الأرض. {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة:201]

لقد خصّ الله تعالى شهر رمضان بخصائص وفضائل، لم يجعلها في غيره من الشهور، وأمرنا فيه بمجاهدة النفس وكبحها، ولصعوبة الأمر فقد أجزل لنا المكافأة فقال عزّ وجلّ في الحديث القدسي: "إلا الصوم فأنا أجزي به".

وعليه، لسنا مضطرين للمبالغة في إضفاء ميزات على صيام شهر رمضان ليست واقعية.. ففيه من الفضل والخير الكثير الكثير ما يعفينا عن هذا. نسأل الله القبول.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
إعلامي لبناني - مدير عام إذاعة الفجر في لبنان

شاهد أيضاً

“نصرة للنبي”.. جمعيات تجارية عربية تعلن مقاطعة منتجات فرنسية

أعلنت جمعيات تجارية عربية، مقاطعة منتجات فرنسية وسحبها بشكل كامل من معارضها، ضمن حملة احتجاجية …