“فذو دعاء عريض”.. المسلك الخطأ!

الرئيسية » خواطر تربوية » “فذو دعاء عريض”.. المسلك الخطأ!
1001240927526TW6

إنَّ النعم المصاحبة للإنسان لا تفارقه، وألطاف المولى سبحانه لا تُخطئها الأعين السليمة، منذ مولده وهي تحيط به، حتّى عند وفاته، بل بعد وفاته، نِعَمٌ واضحة يغمرنا الله سبحانه بها في حياتنا، من سمع وبصر وشمّ وذوق، وهواء وشمس وقمر.. نجوم ومطر ورياح.. زوجة وأولاد ومركبة ورزق وفير.. حتى يعجز هذا الإنسان الضعيف عن عدّ واستحضار هذه النعم {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}. [النحل:18].

وهو في ذلك يحبّ خيرَ هذه النعم ويسعى إلى تحصيلها وطلبها، يريد القوّة والمنعة والزوجة والأولاد والمنزل والمركبة والمال.. لكنّ النفس البشرية في طبيعتها حين لا تهتدي إلى أنوار الإيمان تجانب الصواب، وتتعامل مع هذه النعم تصرّف المُعرض المتكبّر المغرور، فمن صور هذه النفس التي عبّر عنها القرآن الكريم تجدها لا تنسب النعمة إلى مُسديها، ولا تقوم بشكرها وإيفاء حقّ الله فيها، جحوداً ونكراناً، ولكن فجأة وحين تُسْلَب منها هذه النعمة أو النعم، تتذكّر أنَّ للنعمة واهباً ومعطياً، وأنَّه هو المعطي والواهب، يهبها لمن يشاء ويحجبها عمّن يشاء، فتلجأ إلى التضرّع والإكثار من الدعاء، قال الله عزّ وجل: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ}.] فصلت:51[.

"فحال الإنسان قبل الإنعام غير حاله بعده؛ كان يصلي فلم يعُد يصلّي، كان يحضر مجلس علم عندما كان فقيرًا، كان له دعاء رقيق ترك الدعاء، كان يجلس يقرأ القرآن بحرارة ترك القرآن، كان يصلي صلاة مُتقنة صار يصلي ترقيعا، كان يحضر مجلس علم فترك مجلس العلم، صار شخصيَّة لامعة، صار رجل أعمال، صار عنده مشروع..". كما يقول د. راتب النابلسي.

"من أعظم علامات معرفة العبد لربّه اللجُوء إليه في جميع الأحوال، في الشدّة والرّخاء، والصحة والمرض، والسرّاء والضرّاء"

لكنّ حاله بعد سلب النعمة ومسّ الشرّ تتغيّر ويصبح ذا دعاء عريض، قال الإمام ابن كثير في تفسيره: {فذو دعاء عريض}. أي: يطيل المسألة في الشيء الواحد، فالكلام العريض ما طال لفظه وقلَّ معناه، والوجيز: عكسه، وهو: ما قلّ ودلّ. وقد قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَسَّهُ}. [ يونس: 12]".

إنَّه مسلكٌ خطأ في التعامل مع نِعَمِ الله عزّ وجل في حالتي المنع والسلب، والسرّاء والضراء، والرّخاء والشدّة، فمعرفة الله سبحانه واللجوء إليه لا تقتصر على حالة واحدة، بل في جميع الحالات والظروف.

ولتصحيح هذا المسلك يحثّنا الرّسول صلّى الله عليه وسلّم على ضرورة تحقيق التوازن في حياتنا تصوّراً وأحكاماً وسلوكاً، ويقول: ((عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)).]صحيح مسلم[. ويقول عليه الصَّلاة والسلام: ((تعرَّف إلى الله في الرَّخاء يَعْرِفْك في الشدّة))، كما أخبر تعالى عن يونس عليه السلام بقوله: {فَلَولَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ}. [الصافات: 143]؛ أي: قبل نزول البلاء، بخلاف فرعون لما تنكَّر إلى ربِّه في حال رخائه لم يُنْجِه اللَّجَأ عند بلائه، قال تعالى: {آلآنَ وَقَد عَصَيتَ قَبْلُ}. [يونس: 91]. ذلك أنَّ من أعظم علامات معرفة العبد لربّه اللجُوء إليه والتضرّع في جميع الأحوال، في الشدّة والرّخاء، والصحة والمرض، والسرّاء والضرّاء.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الدعاء
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    7 تعليقات على هامش الانتخابات الأمريكية

    (1) الحرية غالية، ولذلك لا بد أن يُدفع فيها ثمن غال، وقد دفع الأمريكيون ثمنا …