قيام الليل .. دأبُ الصَّالحين

الرئيسية » بصائر تربوية » قيام الليل .. دأبُ الصَّالحين
UniMasr.com_962affa86b8ec1de2798d4ed87a61191

أنزل الله تعالى الكتب وأرسل الرسل منارةً لهداية الحيارى إلى طريق السعادة، قال تعالى: (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)، وجعل العبادات البوصلة التي ترشدك وتصوب لك المسير، وكانت الصلاة زاداً لهذا الطريق يستعين بها على تقلبات الحياة يقف فيها العبد بين يدي ربه مناجيا له يشكو بثه ويطلب حاجته عند البلاء، ويشكر ربه ويستزيده عند النعماء مستشعراً لذة الأنس وجمال الوصال، وكانت واسطة العقد ودرة هذه الصلاة صلاة الليل، ففي الليل يخلو كل محب بحبيبه فيحلو السهر ويطيب السمر، وترى من فقه هذا المعنى ينتظر في شوق وجذل حتى يرخي الليل جدائل الظلام ليتنعم بمناجاة ربه الذي يتحبب إليه بالقرب ويتودد له باستجابة الطلب، هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم، يسأل الله خيراً من أمر الدنيا، والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة)). [رواه مسلم].

لله قوم أخلصوا في حبه *** فأحبهم واختارهم خداما

قوم إذا جن الظلام عليهم *** قاموا هنالك سجدا وقياما

يتلذذون بذكره في ليلهم *** ونهارهم لا يبرحون صياما

قيام الليل منهل المخلصين ومضمار السابقين، ينشر الله فيه أنواره على قلوب المتبتلين ويسبغ نعمه على أوليائه الصالحين، فالسعيد من تعرض لنفحاته، والمحروم من غفل عن رحماته، والمغبون من كبلته معاصيه فعجز عن اغتنام أعطياته، ولا عجب أن يقوم المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى تتفطر قدماه، ويحث أمته على قيام الليل، قال صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قُربة إلى الله، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد)).  [رواه الترمذي].

"قيام الليل معركة ينتصر فيها العبد على شهوات النفس، ويستمد منها القوة ليواجه معترك الحياة في نهاره"

ويحذرهم من تركه، فقد جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرِو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((يَا عَبْدَ اللَّهِ، لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ)).

قيام الليل دأب الصالحين فقد كان ابن مسعود رضي الله عنه إذا هدأت العيون، قام فيُسْمَع له دَوِيٌّ كدَوِي النحل حتى يُصِبح. وكان عبد العزيز بن أبي روّاد رحمه الله، يُفرش له فراشه لينام عليه بالليل، فكان يضع يده على الفراش فيتحسسه، ثم يقول: "ما ألينك، ولكن فراش الجنة ألين منك"، ثم يقوم إلى صلاته. ولما احتضر أبو الشعثاء رحمه اللهبكى، فقيل له: "ما يبكيك؟" قال: "لم أشتف من قيام الليل". فأين نحن من دأبهم؟ وأين نحن من ركبهم؟!

قيام الليل معركة ينتصر فيها العبد على شهوات النفس، ويتغلب فيها على وساوس الشيطان، ويتقرب فيها من الرحمن، ويتطهر فيها من الآثام، ويستمد منها القوة ليواجه معترك الحياة في نهاره، ويستعين بها في جهاده ضد أعداء الدين فينضوي تحت لواء رهبان الليل فرسان النهار..

قيام الليل خلوة يتفكر فيها المسلم في عظيم قدرة الخالق، ويتأمل فيها في بديع صنعه، وفرصة يحاسب فيها نفسه، ويتفقد فيها قلبه ويكسر جمود عينه، ويتوب فيها من زلاته ويعاهد فيها ربه على زيادة طاعاته..

قيام الليل ملاذ المظلومين يرفعون أكف الضراعة إلى من بيده مقاليد السماوات والأرض يستنصرونه على من ظلمهم فسهام الليل لا تخطئ..

"قيام الليل سلاح الداعية إلى ربّه يستله في وجه الإعراض والجحود"

قيام الليل سلاح الداعية إلى ربّه يستله في وجه الإعراض والجحود، ويضمد به جراح السخرية والاستهزاء، ويفتح به القلوب والعقول، قال سعيد بن المسيّب: "إنَّ الرجل ليقوم الليل، فيجعل الله في وجهه نوراً، يحبه كلُّ مسلم، فيراه من لم يره قط، فيقول إني أحبّ هذا الرجل".

وليس كل ما سبق إلاّ قبسات يسيرة من أنوار قيام الليل، ولفتات سريعة إلى كنوزه، وإشارات خاطفة إلى أسراره لعلها تحدونا إلى أن نلتمس هذه الأنوار، ونكتشف هذه الأسرار.. فـــــ..

يا رجال الليل جِدُّوا رُبَّ داعٍ لا يُرد *** لا يقوم الليل إلا من له عزمٌ وجِد

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

أبوة رائعة: 11 شيئا يجب عليك تذكره

وظيفتان من أصعب الوظائف على الإطلاق: أن تربي إنساناً، وأن تكون أفضل والدٍ بالنسبة له، …