نظرات فى تراث الإمام حسن البنا (1)

الرئيسية » حصاد الفكر » نظرات فى تراث الإمام حسن البنا (1)
عليوة

إن المتأمل فى كتابات الإمام الشهيد حسن البنا –رحمه الله– يجد نفسه أمام رجل موفق من ربه، بدليل ما تتركه هذه الكتابات من أثر فى نفس قارئها، فضلا عن عمق وثراء معانيها، وبساطة أسلوبها ومبانيها، وواقعية مراميها.

فتجده يؤصل القضايا، ويحلل عناصرها، ويشخص الداء، ويحدد الدواء، يبث فى النفوس الأمل، ويحثها على الجهد والعمل. وتلحظ فيما كتب وسطر، إنك أمام داعية ومرب وفقيه ومجرب، أمام عالم أحسن النظر فى كتاب الله وسنة رسوله وسيرة صحابته والتابعين، وملم بتجارب التاريخ والأمم.

خلاصة القول فى هذا المدخل، أن كل ما سبق من فضل هو توفيق من الله لهذا القائد الرباني ودليل على إخلاصه وتضحيته من أجل دعوته وفكرته، ولذلك كانت كلماته وكتاباته تنفذ إلى قلوب وعقول من يعمل فيها النظر.

ولذلك كانت هذه السلسلة من النظرات فى مختارات من تراث الإمام المجدد (رحمه الله).

- أركان النجاح للأمة الناهضة ثلاثة:

يقول الإمام البنا: (أعتقد أن أركان النجاح للأمة الناهضة ثلاثة، لابد منها:

طبيب حاذق ماهر يتعرف العلة ويصف الدواء.

دواء نافع يستأصل شأفة الداء.

وإقبال من الأمة على التعاطى وإن كان الدواء مرا؛ حتى يتم الشفاء.

وإن فضل الله على الأمة الإسلامية أن طبيبها لايزال خالداً ماثلاً فى قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء 107، وأن دواهما سيظل محفوظا فى قارورة قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر 9، ولم يبق إلا أن يقبل الناس على التعاطى (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)الرعد 11).

"القرآن الكريم هو دستور أمتنا، فيه علاج أمراضنا، وشفاء أسقامنا، وبالتالي أي منهج للتربية والتغيير لا يكتب له النجاح بعيدا عن هذا المنهج الرباني"

المصدر: خطبة لفضيلة الأستاذ المرشد، نشرت فى جريدة النادي، العدد (32) بتاريخ 2 شعبان 1354هـ – الموافق 27 كانون الأول/ ديسمبر 1936م.

الفوائد والدروس:

  • إن مقومات عودة الأمة إلى عزها ومجدها موجودة محفوظة، ولا ينقصنا إلا الإرادة القوية نحو الأخذ بها.
  • إن هدي النبي محمد –صلى الله عليه وسلم– وسيرته العطرة كقدوة وأسوة فى قوله وفعله، عقيدته وعبادته وخلقه ومعاملاته، هو معلم الأمة ومربيها وقدوتها فى بناء المسلم الصحيح، وتكوين الجيل الذى يستطيع –إن اقتدى بنبيه– أن يعود بالأمة إلى سابق عهدها من التمكين والسؤدد. وأن سيرة من اتبع هديه واقتفى أثره من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان هي معين للتربية، واتصال أمين بهدي النبي القدوة.
  • إن المربي القدوة الذى يقتدى بنبيه، ويسلك سبيله فى الدعوة والتربية هو من دعائم نهضة الأمة، وحجر الزاوية فى بنائها التربوي، وبقدر الاهتمام به وتأهيله ورعايته وإعداده ورفع كفاءته؛ يكون دوره فى نهضة أمته ونجاح دعوته.
  • إن الأمة التى حفظ الله لها قدوتها الأول بهديه وسيرته القولية والعملية، قد حباها الله أيضا بحفظ المعين الصافى لمنهج حياتها ومصدر عزها وهو القرآن الكريم، والعجيب أن أمة تمتلك هذه المقومات نراها تعيش حالة من الإنقسام والتبعية والضعف والتخلف. (إِنِّى قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا أَوْ عَمِلْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِى وَلَنْ تَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَىَّ الْحَوْضَ) صححه الألباني فى صحيح الجامع.
  • إن إصلاح مشكلة أمتنا، أنها بعيدة عن منهج ربها، وهدي نبيها، وهو ما حرص عليه المتربصين بها، أن يبعدوها عن مصدر عزها وقوتها.
  • إن القرآن الكريم هو دستور أمتنا، فيه علاج أمراضنا، وشفاء أسقامنا، وبالتالي أي منهج للتربية والتغيير لا يكتب له النجاح بعيدا عن هذا المنهج الرباني، الذى فيه صلاح الدنيا ونعيم الآخرة، والذى به تتحقق السعادة للبشرية جمعاء؛ إن عاشت فى ظله ونهلت من معينه العذب الصافي.
  • إن التغيير وإن توفر المنهج (الدواء)، والقائد القدوة (الطبيب)، لابد له من إرادة الفعل، هذه الإرادة التى تتحطم فى سبيلها الحواجز والعقبات، إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، فإرادة الفعل من أجل التغيير تحتاج إلى تضحيات، وصبر وثبات، لأن طريق الدعوة والتغيير طويل وشاق، لكن للعاملين الصابرين عليه الأجر القريب فى الدنيا (نصر وتمكين)، وفى الآخرة (رضا الله والجنة).
  • إن دور الفرد فى نهوض الأمة لا يقل عن دور المربي أو المنهج، فلابد للفرد أن يمتلك الإرادة، وتتحقق لديه الرغبة لتغيير نفسه فى جوانبها المختلفة، وما الفرد فى الأمة إلا قاعدة أساس وقاسم مشترك، فبتغير الفرد يتغير البيت ثم المجتمع ثم الحكومة ثم الدولة، وهكذا. وهذا هو السر فى أن الإمام البنا ركز على بناء الفرد، واعتبره أول مرتبة من مراتب العمل، ثم حدد للفرد صفات عشر، ليصبح بها قادرا على تغيير ما حوله.

هكذا وصف الإمام الشهيد حسن البنا الحالة، وحدد أركان النجاح للأمة وهي (القائد – المنهج – إرادة فعل وتغيير لدى أفراد الأمة).

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • مدونة زاد السائرين
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الهوية الوطنية ركن من أركان الدولة الحديثة المسلمة

عن معنى الهوية: يمكننا تناول الهوية من مقاربات وقراءات شتى فنخرج بتعريفات شتى لها قد …