الإسلام وقضية الصورة الذهنية.. بين الحرملك ومعامل ناسا!

الرئيسية » بصائر الفكر » الإسلام وقضية الصورة الذهنية.. بين الحرملك ومعامل ناسا!
الإسلام3_

من صميم العقيدة الإسلامية، الإيمان بأن الإسلام هو دين الله الخاتم التام، وأن الرسول الكريم محمد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، قد بعِثَ للناس كافة، وأن الإسلام وشريعته، هو الدين والمنهاج الذي ارتضاه الله عز وجل لعباده، مهما كان لونهم واختلاف ألوانهم وألسنتهم، ومهما اختلفت الأزمان والأماكن، وأنه لن يدخل الجنة من سمع بمحمد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، وبالإسلام، ولم يؤمن به.

ومن ثَمَّ؛ فقد جاءت الشريعة الإسلامية مفصَّلة في بعض الأمور، والتي هي أساس الدين والعقيدة، أو تخص علاقة الإنسان بربه، وغير قابلة للتغيير مهما تغيرت صروف الزمان وتبدل المكان، فيما جاءت شديدة العمومية في أمور أخرى، وخصوصًا فيما يتعلق بشأن الإنسان في الحياة الدنيا؛ من أجل أن تتواكب مع المتغيرات الزمانية والمكانية.

ففي الاقتصاد؛ لم تفرض الشريعة نمطًا اقتصاديًّا بعينه على الناس؛ مراعاة لظروفهم وتبدلاتها؛ فقط حددت العموميات التي لا تسقيم الأمور من دونها، باعتبارها الفطرة السليمة، مثل تحريم الربا والاحتكار والحفاظ على الملكية الخاصة؛ إلا لو تطلب الأمر نزعها لمصلحة عامة، مع تعويض صاحبها، والحفاظ على البيئة والثروات الطبيعية.

"قوانين الإسلام تصلح لأي زمان ومكان، ويمكن تطبيقها في أي نظام اجتماعي، ومخالفتها تقود تلقائيا إلى الفشل وحصول المشكلات"

وكلها قواعد وقوانين عامة؛ تصلح لأي زمان ومكان، ويمكن تطبيقها في أي نظام اجتماعي، ومخالفتها، تقود – تلقائيًّا – إلى الفشل وحصول المشكلات، فعندما خالفها الشيوعيين؛ سقطت الكتلة الشيوعية، واضطرت أمم مثل الصين إلى تغيير قواعد الشيوعية كما كتبها ماركس لتفادي مصير الاتحاد السوفييتي، بينما الربا قاد إلى أزمات وكوارث اقتصادية في الغرب، كما في أزمة مصرف ليمان براذرز، في العام 2008م.

وفي القرآن الكريم، ما يؤيد ذلك، فيقول الحق تبارك وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [سُورة الأنبياء:107]، ويقول عز وجل أيضًا: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [سُورة الأعراف:158].
ويقول الله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [سُورة سبأ:28].

وفي السُّنَّة النبوية الشريفة، يقول مَن لا ينطق عن الهوى: "إِن الرُّسل قبلي يُبعثون إلى قومهم خاصة وبُعِثْتُ إلى الناس كافة" [متفق عليه].

ويقول الإمام محمد بن عبد الوهاب "رحمه الله"، في شرح هذه الآيات والحديث، إن ذلك يعني أن الله تعالى قد بعث الرسول الكريم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" إلى الناس كافة، عربهم وعجمهم، ذكرهم وأنثاهم، حرهم وعبدهم، أحمرهم وأسودهم، ولا نزاع في ذلك بين المسلمين.

وبالرغم من ذلك؛ تظهر أمامنا صورة ذهنية مغايرة تمامًا لتلك الحقيقة، ولها الكثير من التأثير على جهود نشر الدعوة على مستوى العالم، ولا نقول مبالغين لو قلنا إنها من بين أهم معوقات نشر الدعوة في العالم الغربي على وجه الخصوص.

هذه المشكلة تتعلق بقضية الطابع الشرقي للإسلام، والمنطبع على ذهنية غير المسلمين في بقاع العالم المختلفة.

فبسبب قرون طويلة من التضليل الذي مارسته القوى المعادية للإسلام، وكان بعض هذا التضليل يتم اعتمادًا على بعض الممارسات التي كانت تتم من جانب حُكَّام دول الخلافة المتعاقبة في مراحل ضعفها واضمحلالها؛ فإن هناك صورة منطبعة لدى الغرب وغير الشرقيين عمومًا، عن الإسلام، على أنه دين العرب ودين المجتمعات الشرقية.

وتم تكريس هذه الصورة في عصر الإعلام أو "الميديا" بوسائله المختلفة؛ حيث باتت أدوات القوة الناعمة واحدة من أهم وأقوى أسلحة الحرب في العصور الحديثة.
فمن خلال الأفلام السينمائية والمسلسلات التليفزيونية، والروايات، وغيرها من فنون الصوت والصورة والكلمة، والتي يتم إفراد ميزانيات هائلة لكي تلقى الرّواج المطلوب، وتسويقها في كافة أطراف الأرض، بات البعض لا يتصور الإسلام إلا في أجواء القصور والمنمنمات وصوت العود والقانون وكذا، دين القصور والقيان والرياش كما يصوره الإعلام الغربي وإعلام التشويش في عالمنا العربي والإسلامي.

في المقابل تم إخفاء قرون طويلة سادت فيها الدولة الإسلامية العالم بعلومها ومفردات حضارتها الفريدة من نوعها؛ لكي تكتمل أركان الصورة التي يريدها أعداء الدين والأمة.

"الإسلام ليس هو دين العرب فحسب، ولا هو تلك الصورة المختلطة عن الشرق بغموضه وآثاره ومؤامراته، بل هو دين كل زمان ومكان"

ومع عدم نفي أن العرب هم صُلب وعز الإسلام، كما هو مأثور عن النبي "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، وعن صحابته الكِرام؛ فإن هذه الصورة الذهنية يجب أن تتغير لأنها خاطئة؛ فلا الإسلام هو دين العرب فحسب، ولا هو تلك الصورة المختلطة عن الشرق بغموضه وآثاره ومؤامراته.
فالإسلام، كما تقدم، هو دين كل زمان ومكان، وما دام الله تعالى قد شاء أن يسود العالم؛ فإن هذا معناه أن الإسلام ذو محتوى يصلح للتطبيق في الشرق والغرب، وفي كل أركان هذا العالم.

فكما نتصور الإسلام في المجتمعات الشرقية، بقصورها وعمائمها؛ فإنه كذلك دين المجتمعات الغربية، بما فيها من معامل وأطباء ومراكز علمية وسياسية وثقافية، وغير ذلك من صور التقدم الحضاري المختلفة.
وهذه هي طبيعة الإسلام الحقة؛ حيث عبقرية التنزيل، من أنه يصلح للتعامل مع مفردات خصوصية المجتمعات الإنسانية المختلفة.

فدولة الخلافة الإسلامية في بلاد فارس، كانت تختلف تمامًا عن صورة ومفردات دولة الإسلام في الأندلس، أو في المغرب، أو في شرق أوروبا، ولعل في الميراث الهائل من المصطلحات اللغوية والعمارة المتنوعة بتنوع هذه المجتمعات، والتي تركت وطبعت بآثارها، ما لا يُمحى في هذه المجتمعات؛ ما يشهد على ذلك.

صفوة القول، إنه يجب التأسيس لصورة ذهنية جديدة عن الإسلام، تعبر عن طبيعته الحقة، وكما نراه في قصصهم وأفلامهم ورواياتهم، لا ينمو ولا ينتعش إلا في القصور القديمة؛ يجب أن تعمل أفلامنا ومسلسلاتنا ورواياتنا وبرامجنا، على أن يراه الآخر، وحتى المسلم الذي تربى على هذه الصورة الذهنية الخاطئة للإسلام، في أروقة المعامل والمختبرات العلمية، وفي المكتبات، وفي المراكز الثقافية.

يجب أن ينقل الإنتاج الحضاري، الناعم والخشن، لمجتمعات المسلمين في الغرب على وجه الخصوص، الإسلام والمسلمين، وهم يتعايشون في الحواضر المدنية، ويتعاملون بدينهم مع مفردات الحضارة الحديثة، وأن المسلمين ليسوا مجرد مستهلكين لهذه المفردات، وإنما هم شركاء أساسيين في بناء هذه الحضارة.

وهناك من يسعى في هذا الاتجاه بالفعل في الجمعيات والمراكز الثقافية والدعوية الإسلامية في أوروبا والأمريكيتَيْن وأستراليا، وهؤلاء يجب دعم جهودهم، وهذا الدعم يتطلب في وقتنا الراهن، جهدًا مضاعفًا، ما بين إظهار الطبيعة المدنية والحضارية العامة للإسلام، وبين مواجهة عمليات التشويه التي يتعرض لها الدين وحضارته وأبناؤه، سواء من جانب القوى المعادية له في هذه البقاع، أو من جانب بعض المنتمين إليه اسمًا، ولكنهم يفوقون في تأثيرهم ألف عدو خارجي، مثل الأنظمة والحكومات والتيارات العلمانية، والتكفيريين.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

معايير توجيه المعارف وصناعة المناهج التعليمية

لم يعد مفهوم المعارف يتجاوز الفهم القاصر الذي يعبّر عن محو الأمية –بوساطة تعلم فنون …