الرضيع.. لماذا أحرقوه؟

الرئيسية » بأقلامكم » الرضيع.. لماذا أحرقوه؟
idf-soldier

قبل عام بالكمال والتمام وفي يوم 31/7/2014م تحديداً، كتب الجندي الصهيوني دافيد عوفاديا، في تغريدة له على موقع تويتر أنه قتل 13 طفلاً فلسطينياً وأن هذه البداية لقتل أطفال مسلمين. وكتب ذلك الإرهابي المجرم باللغة الإنجليزية أنه سيقتل العديد من الأطفال في غزة. وأرفق ذلك بشتائم قذرة لجميع المسلمين.

وفي أجواء العدوان الهمجي الذي شنّه جيش الاحتلال الصهيوني على غزة العام الماضي خرجت مجموعات من اليهود تزعق وتنعق في شوارع القدس و"تل أبيب" افتخاراً بقتل الأطفال (الفلسطينيين)، وترديداً لشعارات مثل: "المدارس في غزة لن تفتح لأنه لن يبقى أطفالاً في غزة"، مع رفع يافطات كتب عليها: "أيها الجندي العزيز كم طفلاً قتلت اليوم في غزة، اللهم أكثر من قتلهم". فهل يا ترى استوحى قتلة الرضيع علي دوابشة فعلتهم النكراء من نظرائهم في القتل والإجرام؟ فبالرجوع إلى يوميات العدوان على غزة نقرأ خبراً مفاده: (استشهد اليوم الخميس 31 يوليو/ تموز، 88 مواطناً بينهم طفلان وثلاث نساء إحداهن معاقة، وصحفيان، وأصيب عدد آخر، في العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة لليوم الـ 24 على التوالي، ليرتفع بذلك عدد الشهداء إلى 1446 شهيداً، وأكثر من 7840 جريحاً). فهل أحيا القتلة ذكرى الحرب التي أشعلوها والمحرقة التي ارتكبوها بإحراق الرضيع في نابلس؟

إن مما لا يخفى على أحد أن هناك أعداداً لا حصر لها من الأطفال والرضّع قد قتلوا وأحرقوا قبل ذلك التاريخ وبعده من قبل اليهود المحتلين، وفي حالات محدودة تمّ الثأر لهم كعملية عندليب طقاطقة الاستشهادية ثأراً للرضيعة إيمان حجو، وعملية الشهيد عبد الرحمن الشلودي ثأراً للطفلة إيناس شوكت، ولنا أن نقول بأن معركة العصف المأكول التي خاضتها المقاومة على أرض غزة العزة كانت كلها نتاجاً للعمليات الثأرية رداً على جريمة إحراق الطفل محمد أبو خضير.

إننا بحاجة إلى قراءة حيثيات جريمة إحراق الرضيع دوابشة على أيدي قطيع من المستوطنين فجر الجمعة 31 تموز/ يوليو الماضي، لأن ذلك يمكن أن يعطي مؤشراً على إمكانية تكرارها أم لا. فما الذي دفعهم إلى ارتكاب تلك الجريمة بهذه الطريقة البشعة وفي هذا التوقيت وهذه الظروف؟

إن الذين ارتكبوا تلك الجريمة انطلقوا من عقيدة راسخة بأن ما فعلوه يرضي الرب، ويغفر الذنب، وأنهم في أسوأ الأحوال ليسوا آثمين أو مخطئين فيما اجترحت أيديهم، فالرضيع وأسرته التي أحرقوها ليسوا سوى أميين أغيار لا حرج في قتلهم، ولا سبيل عليهم أو مؤاخذة في حرقهم. ولا عجب، فالإحراق عقيدة مرتبطة بأمر إلهي عندهم كما في توراتهم المحرفة: (فاضربوا أهل تلك المدينة، وحللوا قتل جميع ما فيها حتى بهائمها بحد السيف. واجمعوا جميع أمتعتها الى وسط ساحتها، وأحرقوا بالنار تلك المدينة بكل ما فيها، قرباناً للرب إلهكم. فتصير ركاماً إلى الأبد، لا تبنى من بعد) التثنية: 13/16، 17.

وقتل الأطفال الرضع لا يخرج عن كونه قربة من القربات كما في النص: "فالآن اذهب واضرب عماليق، وحرموا كل ماله، ولا تعف عنهم، بل اقتل رجلا وامرأة، طفلا ورضيعا، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً".

ولا يظننّ ظانّ أنّ هذه النصوص ليست حاضرة وبشدة هذه الأيام فهذا آدم كلارك أحد أشهر مفسري "الكتاب المقدس" يشرح ذلك السفر بقوله: (إن الله هو الخالق فلا أحد يحاسبه على أوامره وطالما أنه أمر بقتل هؤلاء فهو يرى في ذلك خير، وقتل الأطفال إنما ذلك أيضاً خير لهم كي لا يكبروا ويكونوا مفسدين!!).

وهذا حاخام مستعمرة كريات أربع (ورئيس حاخامات مستعمرات الضفة وغزة) "دوف ليئور" يقول لصحيفة يديعوت أحرونوت إبان العدوان على غزة في العام الماضي: "لا حاجة للرحمة إلا مع المدنيين اليهود فحكم توراة "إسرائيل" هي الرحمة على جنودنا ومواطنينا" ويفتي قائلاً: "يُسمحُ في الشريعة اليهودية تدمير غزة كلِّها، لإحلال الهدوء في الجنوب، ومسموحٌ أن يعاقِبوا العدو بقطع التيار الكهربي، وقصف المناطق المُكتظة بالسكان، ومُباحٌ لوزير الدفاع أن يأمر بتدمير غزة، بغض النظر عن الاعتبارات الإنسانية، فإنها لا تساوي شيئاً في سبيل إنقاذ إخوتنا في الجنوب".

"الذين ارتكبوا جريمة قتل الطفل انطلقوا من عقيدة راسخة بأن ما فعلوه يرضي الرب، ويغفر الذنب، فالرضيع وأسرته التي أحرقوها ليسوا سوى أميين أغيار لا حرج في قتلهم"

وبالنظر إلى استقراء التوجهات في المجتمع الصهيوني فإنها كلها تشير إلى نزوعه إلى المزيد من التطرف والتشدد والإجرام وهو يعني ترسيخ تلك العقيدة أكثر وأكثر في نفوس كافة شرائح ذلك المجتمع، وكل الدلائل تؤكد على ذلك، ما يعني أن تكرار مثل تلك الجريمة وارد جداً.. ولا غرابة، فلماذا لا يقدم أولئك على جريمتهم وقد رأوا بأم أعينهم أن كل من يرتكب جريمة مماثلة يحظى بغطاء كامل من قبل حكومة العدو بدءاً من التستر على الفاعلين وتبرير فعلتهم، أو محاكمتهم محاكمات صورية يتم فيها تكريمهم وتلميعهم بدلاً من معاقبتهم، ثم تنتهي جميع تلك الجرائم بالعفو عن مرتكبيها وإطلاق سراحهم!!؟.

ولماذا لا يقدم أولئك على اقتراف جريمتهم البشعة والمجتمع الدولي لم يحرك ساكناً إزاء الجرائم المتتالية التي ترتكب بحق الأطفال في فلسطين على مدى عقود من الزمن، وقد أظهر عجزاً كاملاً إزاء جرائم العصر التي ارتكبها –وما يزال يرتكبها- الطاغية المجرم بشار الأسد وعصابته بحق الإنسانية بشكل عام، وبحق أطفال سورية الذين قتلوا بالكيماوي والبراميل المتفجرة والتجويع حتى الموت على وجه الخصوص. فيما اكتفى بان كي مون بإبداء القلق إزاء كل تلك الجرائم!!؟.

لماذا لا يقدمون على ارتكاب جريمتهم، وقد دُنّس الأقصى وشُتم النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم في ساحاته دون أن يتصدى لذلك سوى حرائر القدس ورجالاته، والأمة ترقب ما يجري وكأن الأمر لا يعنيها من قريب أو بعيد!!؟.

ولماذا لا يقدم أولئك القتلة على ارتكاب جريمتهم والضفة المحتلة يحكمها من يتغنى بالتنسيق الأمني "المقدس" ويخوض حرباً شرسة لصالح الاحتلال ضد كل أشكال المقاومة، ويحقق نجاحات كبيرة في الكشف عن خلاياها التي تضرب جنود الاحتلال ومستوطنيه في ظل إخفاق كبير من قبل الجانب الصهيوني، كان آخرها اعتقال أبطال خلية سلواد على يد أجهزة عباس الأمنية!!؟.

ولماذا لا يقدم القتلة على تنفيذ جريمتهم وأكثر الدول العربية مشغولة بشؤونها الداخلية وما عادت قضية فلسطين والقدس والأقصى فضلاً عن أطفال فلسطين ونسائها تشكل شغلاً شاغلاً لهم!!؟.

ولماذا لا يرتكب القتلة جريمتهم وفي المنطقة انقلاب مجرم يقتل ويعدم ويحرق ويعتقل ويعذب ويقمع شعب مصر جهاراً نهاراً، ويساهم في حصار غزة وتجويع أهلها وقهرهم، ويتآمر مع العدو على ضربها وخنقها بكل الوسائل!!؟.

ولماذا لا يقدم القتلة على ارتكاب جريمتهم وفي المنطقة دواعش وميليشيات شيعية يرتكبون جرائم تشيب لهولها الولدان مع تصويرها وتوثيقها بأحدث الوسائل ثم ينسبون تلك الفظاعات للإسلام البريء منهم ومن أفعالهم!!؟.

لماذا لا يقوم القتلة بقتل أطفالنا وقد اثّاقلنا إلى الأرض ورضينا بالحياة الدنيا من الآخرة، وشغلتنا أموالنا وأهلونا وعشائرنا وقبائلنا وانتماءاتنا "السايكس بيكوية"، وآثرنا السلامة على مقارعة المحتلين، وبخلنا بأموالنا عن دعم المقاومين، وأصابنا الخَرَس والبَكَم عن نصح الحكام الظالمين، وأصبحنا غثاءً كغثاء السيل لا يهابنا أعداؤنا، ويحكمنا سفهاؤنا، ونحبّ الدنيا حباً جماً وأهلها، ونبغض الآخرة وطلابها، ونراهن على أن ذاكرة الشعوب ضعيفة، وأنّ كثرة المصائب ستغطي على جريمة حرق الرضيع، وأن معاركنا على الفيس بوك والتويتر ردٌّ سريع، على ذلك الحدث الفظيع، وأننا –إلا من رحم الله- مجرد فقاقيع!!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

خواطر حول تربية وتدريس الأولاد

1. لا يجوز مطلقا أن يتم مناقشة المسائل الخلافية في التربية بين الوالدين في حضور …