العمل الميداني .. وسرّ التأثير

الرئيسية » بصائر تربوية » العمل الميداني .. وسرّ التأثير
الخليل - الميدان

في زمن تكثر فيه الأحداث السياسية والاجتماعية، ويكثر تبعًا لذلك الاحتكاك بالناس؛ إذ اختار أصحاب المظلومية ومَن عرفوا حقوقهم وكيف ينتزعونها النزول للميادين العامة؛ لإيصال صوتهم، أو التعريف بقضيتهم، أو الضغط على الحكومات؛ لتتحرر بعض إراداتهم، أو للتعبير عن الاحتجاج والرفض للمحتل وسياساته.

وفي ظل القمع والملاحقة لكل نشاط خاصة في المساجد والمؤسسات، في ظل هكذا ظروف؛ ترتفع قيمة العمل الميداني ليصير في قمة هرم العمل المُربي، العمل المؤثر في نفوس أصحابه أولًا؛ ثم بالقدوة والاحتكاك مؤثرًا بدرجات متفاوتة على المشاركين والمشاهدين، إذ هو عمل يجمع بين الجانبين الحركي والتربوي، إن تم الانتباه إلى ذلك.

"العمل الميداني يتجاوز تأثيره الدرس والندوة، فهو ميدان غني بالمشاركة والحوار، بالبحث والسؤال، بالتفكير والمواجهة، فهو أقرب للمؤتمر ولورشة العمل"

ففي الوقت الذي يستسخف فيه الكثيرون وسائل التعبير كالمظاهرات والاعتصامات والوقفات أو يقصرون فيها؛ تُحارَب التجمعات الميدانية وتُقمع، وأتساءل: هل كانوا سيحاربونها لو لم يكن لها أثر أم أنهم يرون ما وراء هذا العمل ونتائجه التي تتحقق وآثاره حتى وإن ووُجهت بالقمع؟
تثبت التجربة أن هذا النوع من العمل ميدان حيوي يتجاوز تأثيره الدرس والندوة أو المحاضرة، فهو ميدان غني بالمشاركة والحوار، بالبحث والسؤال، بالتفكير والمواجهة، فهو أقرب للمؤتمر ولورشة العمل.

فمن جهة يعمِّق الميدان التعارف الشخصي، ويفتح علاقات الأفراد على شرائح مختلفة من خلال مصاب جمع أفراده أو جمع مناصرين متعاطفين ومؤيدين للحدث والمَطالب، ومن جهة أخرى يرفع قيمة الوقت واحترامه في النفوس، ويختبر عنصري الانضباط والمبادرة، ويزيد من أهمية الاهتمام بالتنظيم؛ تنظيم العمل ومتطلباته، وتوزيع المهام بين الأفراد، وتنظيم آليات الاتصال والتواصل، وهذا أيضًا يفرض على المتفاعلين توظيف عناصر جديدة يسهِّل الحضور الميداني اختيارهم واختبار كفاءتهم.

وهو إلى جانب ذلك يعزز حضور أجيال ناشئة تتدرب على التعبير عن حقوقها، وتتدرب على المشاركة، وعلى تقدير الأكبر سنًا والنزول عند رأيهم متى اقتضت الحكمة ذلك، تضبط إيقاع مسيرها على فهم متى تُقدِم، وتعي جيدًا معنى أن تكون عناصر مؤثرة صانعة للحدث.

وعلاوة على ذلك؛ فهو أي العمل الميداني يبسط بوضوح العقبات في الطريق، ويفتح المجال للنقاش حول آليات المواجهة، وآليات التعبير عن الحقوق، وأهمية التعاون مع الإعلام، وأن يصبح المواطن صحفيًا أو سفيرًا يمثل قضيته، يوصل صوته لتتبنى الصحافة المهنية قضيته فتأخذ طريقها إلى آفاق أرحب.

"لعل الواجب أن ننظر إلى هذا النوع من العمل الميداني الذي تشترك فيه عدة حواس وتتلاقى فيه عدة خبرات وأجيال بعين التقدير والاحترام"

وإذا قلنا أن هذا العمل بغض النظر عن شكله يربي الأفراد على الاجتماع على الفكرة قبل العائلة أو المؤسسة؛ ويربيهم على التعاضد، على أن يقوِّي الأخ أخاه، وعلى أن تربت الأخت على كتف أخت لم تكن تعنيها أمس شيئًا، ويجعل مفهوم الإعانة "الله في عون العبد ..." حاضرًا عمليًا مساهِمًا في تثبيت أصحاب الفكرة والمبادئ، كما يجعل مفهوم "من خلف غازيًا.." أيضًا حاضرًا بالوقوف مع أهالي الشهداء والأسرى والمطاردين والمستهدفين؛ فإذا كان هذا العمل الميداني جامعًا لهذه البوتقة من المفاهيم الجماعية، فهل يمكن أن نقف طويلًا عند سؤال الجدوى مثلًا؟ أو عند المطالبة بتغيرات فورية لمجرد وقفة؟

لعل الواجب أن ننظر إلى هذا النوع من العمل الميداني الذي تشترك فيه عدة حواس وتتلاقى فيه عدة خبرات وأجيال بعين التقدير والاحترام، وأن نرمق المستقبل من خلاله بعيني واثق متفائل؛ فالتغيير المجتمعي وهو أساس التغيرات الكبرى؛ بحاجة لطول نفس ولتدريب طويل ومستمر حتى يؤتي أكله، ويُمهد الطريق لانفتاحات أوسع، ويحضِّر المجموع لمرحلة أو مراحل مقبلة تتطلب جاهزية أعلى على كل المستويات وبكل الأشكال.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

القرآن الكريم في رمضان.. دعوة لتدبُّر كلامِ اللهِ لا التعجُّل في قراءته

شهر رمضان، هو شهر العبادات، وتتنوَّع فيه الطاعات، لكن تبقى أهم العبادات المرتبطة بالشهر الفضيل …