النجاح الحركي و”فقه” ما أيده الواقع

الرئيسية » بصائر الفكر » النجاح الحركي و”فقه” ما أيده الواقع
Startup-idea

خُلِقَ الإنسان في هيئةٍ، وبصفات بعينها، شاءتها إرادة الخالق عز وجل، لحكمة لا نعلم من أركانها الكثير، إلا ما جاء منها في القرآن الكريم، من تكريم للإنسان، وإعانة له على القيام بما استخلفه اللهُ تعالى فيه في الأرض، وخلقه لأجله، من عبادته وإقامة شريعته، وعمارة الأرض.

وفي هذا السياق، الإنسان مخلوق تتكامل فيه مجموعة من المكونات، المادية والمعنوية، وكل منها يوجهه في أُطُرٍ يتسق بعضها البعض، بحيث يكون لسعي الإنسان معنىً، ويكون قادرًا على فهم واستيعاب الأمور والأحداث من حوله، والتفاعل معها بالشكل الرشيد الذي تتطلبه.

ومن بين ذلك، أن شاءت حكمة الله تعالى، لأجل تحقيق سُنن الاختبار والابتلاء، أن يكون للإنسان، عقلٌ، وحدد له قوانين في صدد تعاطيه مع الظواهر من حوله، طبيعة معينة، تقوم على أساس العقلية النقدية، التي لا تقبل بظواهر الأمور، ولا تقنع بأول ما تشاهده، ولا تأخذه على علاَّته، وإنما تعمد إلى تحليل ما تراه، ودراسته، قبل أخذ قرار في صدده، وكيفية التعامل معه.

ويرتبط بذلك قضية الاقتناع، أي أن يقبل الإنسان الأمر عن قناعة حرة، بأن يستقر الأمر في ضمير وفهم وقلب الإنسان عن رضا وقبول حر.

وكلما ارتقى عقل الإنسان، كلما كانت هذه السمة فيه أكثر بروزًا ولزومًا في فعله وسعيه في الحياة الدنيا، باعتبار أنها من أهم السمات التي تميزه كبشر عن سائر مخلوقات الله عز وجل، الأخرى.

ولذلك، فإن المثاليات والقيم وحدها قد لا تقنع الإنسان، وهو أمر حتى يتضح في أمور بسيطة، فلو لم يجرب الإنسان الحرق بالنار، ما خاف منها، مهما حاولنا إقناعه بأنها مؤذية، أو ما شابه، حيث لن يتفاداها ويتعامل معها بالحرص اللازم، إلا لو أنه جرب لسع الحريق.

"لا يمكن أن يقبل الإنسان ما لا يقتنع به عقله، ولا يمكن إلزامه بأية قيمة من دون أن يعلم لماذا هي قيمة، وما هي أهميتها بالنسبة له، وضرورة أن يعمل بها"

وهو ما يمكن أن نطلق عليه تأييد الواقع لما يتم تلقينه للإنسان من معلومات وأفكار، وغير ذلك، فلا يمكن أن يقبل الإنسان ما لا يقتنع به عقله، ولا يمكن إلزامه بأية قيمة من دون أن يعلم لماذا هي قيمة، وما هي أهميتها بالنسبة له، وضرورة أن يعمل بها.

وهذا الأساس الذي ارتكز عليه المنهج العلمي، حيث هو يقوم على أساس مبدأ ملاحظة الظاهرة المراد دراستها، ومدى قابليتها للتكرار بنفس الطريقة وفي نفس الظروف، والتجربة والخطأ، وكلها أمور تعتمد على إعمال العقل، والعقلية النقدية.

ودليل أن ذلك فطرةٌ في خلق الإنسان، أن الله تعالى – وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير – فرض على نفسه أن يكون هناك حكمة وعلَّة في كل أمر يكلِّف به الإنسان، حتى في أهم حقيقة في الوجود، وهي حقيقة التوحيد.

فبالرغم من أن التوحيد هو أساس خلق الكون، وإفراد الخالق عز وجل بالعبودية، هو المراد من خلق العباد، ورغم أن الله تعالى هو القوي العزيز القادر على كل شيء، فقد ألزم نفسه سبحانه وتعالى، بأن يؤيد الواقع حقيقة التوحيد.

فجعل الله تعالى علامات عقلية وموضوعية مادية، تدل على وجوده، وعلى وحدانيته، وبالتالي، يصل الإنسان من خلالها إلى الإيمان، الإيمان بالله تعالى، وبالتالي إفراده بالعبادة، بعد الوصول إلى حقيقة التوحيد.

وهو ما يسميه أهل العلم بدليل الحدوث، ومن بين ذلك، الخَلْق، فطالما هناك مخلوق، فإنه لابد له من خالق، وهي حقيقة يقود إليها الإنسان، العقل السليم، والفطرة السليمة.

وهناك مقولة الأعرابي الشهيرة عندما سألوه عن وجود الله عز وجل، فقال: "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل على العزيز الخبير".

وفي القرآن الكريم، نجد الحرص على الدعوة لتأمل الواقع، وإعمال العقل فيه، للوصول إلى حقيقة الخالق، ومن بين ذلك، قوله تعالى في سُورة "الطُّور": {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (34) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لّا يُوقِنُونَ(35)}.

إذًا، الشاهد أن أهم حقائق الكون، وهي التوحيد، فرض الله تعالى فيها أن تكون عن اقتناع من خلال ما أيده الواقع.

وفي حقيقة الأمر، فإن هذا المنهج ينقص الحركة الإسلامية في زمننا المعاصر، على الأقل بعض ألوان طيفها السياسي أو الفكري.

فالبعض يتصور أنه لمجرد أنه يدعو إلى مكارم الأخلاق، وإلى خير الناس، وإلى صلاح الدين والدنيا، فإن ذلك يفترض من الناس اتباعه وتأييده في مساعيه وما يدعو إليه، وهذا مبدأ خاطئ كما رأينا.

"الناس لن تقبل الحديث المثالي، من دون أن ترى ما يؤيده من الواقع من حولها، وحتى هذا بحاجة إلى جهد حركي، من أجل أن تثبت الخيرية المطلقة لما تدعو إليه"

فالناس لن تقبل الحديث المثالي، من دون أن ترى ما يؤيده من الواقع من حولها، وحتى هذا بحاجة إلى جهد حركي، من أجل أن تثبت الخيرية المطلقة لما تدعو إليه، حيث القيم والأخلاق تتباين وتختلف باختلاف المجتمعات الإنسانية، فقد يكون هناك سلوك مزدجر في مجتمع، بينما هو في مجتمع آخر، أحد مكوناته الأصيلة!

ولو خصصنا الحديث عن واقع الحركة الإسلامية في مجتمعاتنا العربية في مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي، فإن الشك والريبة كان هو أول ما قابلت به شرائح عريضة من الجمهور العام البرامج التي طرحها الإسلاميون الذين تصدروا المشهد بعد هذه الثورات، في ظل عقود طويلة من التشويش والتشويه من جانب الدولة وإعلامها.

ومن ثَمَّ، فإنه كان هناك ضرورة لأن يكون هناك على أرض الواقع ما يدعم هذه البرامج والأطروحات التي لم تعتدها شعوب رزحت طويلاً تحت حكم الاستبداد، ومن قبله قرون الاستعمار الطويلة.

ولكن، ما حدث أن غلبت الرؤى والخطابات المثالية، على حساب البرامج التي تجعل الواقع يؤيد هذا الذي كانت الحركة الإسلامية تدعو إليه.
ولعله أحد أهم الدروس التي يمكن الخروج بها من السنوات الماضية التي تلت ثورات الربيع العربي، والتي تعرضت فيها الحركة الإسلامية إلى الكثر من المِحَن والامتحانات!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

جدل تصريحات آمنة نصير وقضايا نساء أقلِّيَّاتنا المسلمة المتوارية!

تشهد ساحات الإعلام والإفتاء في مصر والعالم العربي هذه الأيام، ولاسيما منصَّات التواصل الاجتماعي، الكثير …