الواقع والمسارات العكسية

الرئيسية » بصائر الفكر » الواقع والمسارات العكسية
435

كان لمآلات الأوضاع في ما يعرف ببلدان الربيع العربي، وانعكاساتها على الحركات الإسلاميّة في تلك البلدان؛ ظهور مجموعة من الأدبيات؛ التي تناولت أداء الحركة الإسلامية تقييماً ومراجعة واستشرافاً، وتؤسس بعض هذه الأدبيّات لبناء قناعات شيّدت تحت وطأة ضغط اللحظة، وفيها تشوهات بنيويّة وفكريّة؛ ومثل هذا الناتج المعرفيّ، لن يخدم الفكرة الإسلاميّة؛ بل سيولّد مسارات عكسيّة سلبية.

والمتوقّع من الحركة الإسلاميّة -خصوصاً في المنعطفات- أن تنهض خططها على تقييم دقيق للمعطيات، التي تفرزها عناصر البيئة الداخلية للحركة، والبيئة الخارجية بنطاقها الواسع، كما ينبغي أن تبدع في إنتاج الإستراتيجيات التي تستجيب لهذه المتغيرات، والتي يجب أن تمتاز بالمرونة الكافية لتجاوز المراحل الحرجة، بل ولتحويل المحن إلى منح، والخسائر الآنية إلى مكاسب بعيدة.

إنّ التعامل مع الواقع المفروض، مهما كان مؤلماً، لا يعني الفرض الذاتي لواقع مشوّه على الفكرة النقيّة. كما وأننا حين نتعامل مع الواقع، لا بد أن لا تغيب عنّا هداية الرؤية الكليّة للحركة الإسلاميّة.

"التعامل مع الواقع المفروض، مهما كان مؤلماً، لا يعني فرض واقع مشوّه على الفكرة النقيّة"

فالدعوة –مثلاً- إلى مزيدٍ من الانخراط في المجتمعات، والتركيز على تقديم الخدمة العامّة للناس، وتلمس مشكلاتهم، والعمل على قضائها، والدفاع عنها؛ لا يعني ذلك الذوبان وتغيير الثقافة والانفلات عن الفكرة، وليس من متطلباته الانقلاب على الذات والتربية، ويَهٍم من يظن أن الشعوب ستقدّر هذا النهج في المعالجات.

كما أنّ الحركة الإسلامية في أدائها لا تستخدم الوطنية والمحليّة أداة أو إستراتيجية مرحلية في العمل، أو لتجاوز كربة عابرة، وإنما تنظر للهم المحلي أو الوطني باعتباره محور الاهتمام، لكنه لا يلغِ المسارات الدعوية الأخرى، ولا ينتقص منها، وهو لا ينفصل عن الرؤية النهائية للدعوة، وكما أنّ المحليّة لا تعني الاهتمام الهامشي أو الشكلي بقضايا الناس، بحيث تبدو الحركة الإسلامية وكأنها تقوم بمسٍ لطيفٍ للقضايا الوطنية، أو تتناولها من خلال لقاءات نخبوية أو تواصل مع الرسميين في الحكومات؛ إنّ هذا الأداء الباهت والشكلي في تناول القضايا المحليّة يحول الحركة الإسلامية إلى أداة مستخدمة. كما ينبغي أن تُعرف وتستحضر الأهداف والمصالح المتوخّاة من جميع الجهود المبذولة؛ حتى لا تتحول الحركة الإسلاميّة إلى فرق خدمات أو لجانِ تطوعيّة لا غير.

والواقعيون الجادّون لا يسلّمون بالواقع ولا له، بل ينشغلون بتحسين الشروط والمتطلبات والمفروضات، وهذا مجال هام في صراع الإرادات بين الأطراف، وهو من التدافع المشروع لكسب مساحات التأثير، وهذا مضمار أصحاب الأفق الرحيب والعقل الوازن. ومن الهزيمة الاستسلام لأي واقع، من دون بذل أي مدافعة له.

"الحركة الإسلامية في أدائها لا تستخدم الوطنية والمحليّة أداة أو استراتيجية مرحلية في العمل، وإنما تنظر للهم المحلي باعتباره محور الاهتمام، لكنه لا يلغِ المسارات الدعوية الأخرى، ولا ينفصل عن الرؤية النهائية للدعوة"

لا بد أن يستقر في تجاربنا، أنّ العلمانيين على اختلاف أيديولوجياتهم، وعلى الرغم من تناقضاتهم، وصراعاتهم البينيّة، إلا أنّ بوصلتهم واضحة في عداء الفكرة الإسلامية، وإن خيروا بينها وبين أي فكرة أخرى، فلديهم الرغبة بقبول أسوأ واقع يتصف بالفساد والقمع والاستبداد بل والدفاع عنه والنضال من أجله، ولا أن يكون البديل إسلاميّاً.

إنّ من أخطر ما يتعرض له المسار الدعوي الرضوخ لابتزازات إستراتيجية، وأن تنشأ الأفعال كاستجابة لإملاءات خارجية، أو كرد فعلّ، إنّ هذا سيكون له نتائج سلبيّة عميقة. مع أنّه يمكن تقبّل التعامل مع الابتزاز التكتيكي، والذي يمكن تجاوز آثاره، كما لا يمثل خطورة على الدعوة ووحدتها وقيمها ومستقبلها، ويعد هذا من الكياسة والواقعيّة الحسنة.

إنّ من أكثر الجوانب التي يجب أن تستقر لدى الحركة لإسلامية، وأن يُنأى بها عن سرعة التغيير، هي السياسات المتبعة مع الذات والآخرين؛ فبغض النظر عن الظروف، وبعيداً عن تقييم المنافسين، لا بد من التركيز على المصالح العليا، والحرص على الشّراكات مع الآخرين، والالتقاء على القواسم المشتركة، والتعاون على البر والتقوى، والانفتاح على الآخر، وتوسيع دائرة استثمار الطاقات المجتمعيّة، ودوام التطوير والتغيير.

وفي جميع الأحوال، خصوصاً عند الانعطافات الكبيرة، لا بد من المحافظة على المقاصد الكبيرة للحركة الإسلاميّة، والتي تحكم طبيعة المسار، وهي:

  1. المحافظة على وحدة الصف وتجنيبه الانقسامات.
  2. المحافظة على الدور النوعي والشمولي في العمل الإسلامي.
  3. الدفاع عن المكتسبات للعمل الإسلامي.
  4. صيانة الروح المعنوية للأفراد.

وما أحوجنا في الانعطافات إلى العقول الباردة الذكية، التي تبدع في التعامل مع المرحلة، بمرونة وموضوعيّة؛ من دون تفريط في المسار، أو تنكّب عن الطريق، أو الانحراف به بعيداً، أو التجاوز على القيم المستقرة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

جدل تصريحات آمنة نصير وقضايا نساء أقلِّيَّاتنا المسلمة المتوارية!

تشهد ساحات الإعلام والإفتاء في مصر والعالم العربي هذه الأيام، ولاسيما منصَّات التواصل الاجتماعي، الكثير …