د. مورو: المفاوضات دون التمسك بالمقاومة تعد استسلاماً

الرئيسية » بصائر الفكر » د. مورو: المفاوضات دون التمسك بالمقاومة تعد استسلاماً
عبد الفتاح مورور

قال النائب الأول لرئيس البرلمان التونسي وأحد مؤسسي حركة النهضة التونسية الدكتور عبد الفتاح مورو، أن الأمة تعتبر المسؤولة عن حالة التشتت التي تعتريها مجتمعات وشعوب؛ وتحتاج لإرادة نابعة من الداخل على مستوى الأفراد والحكام لتصبح في الصدارة كما كانت في السابق، فهي منفكة عن أي استعمار أو احتلال يعيق تطورها واستعادتها للصدارة.

وأشار الدكتور مورو خلال حوار له مع قناة القدس الفضائية مساء اليوم السبت إلى أن الأمة الإسلامية تحمل قيماً وماضياً إنجازياً يعتبر به؛ ومن كان سلفه يتصدر الأمم من السهل عليه استرجاع هذه الصدارة إن هو سعى لذلك؛ مؤكداً أن علّة عدم نهوض الأمة تكمن في عدم اجتماعها؛ فهي بحاجة إلى منهج يجمع بين النخبة والقاعدة، وكلاهما جزء لن تكتمل النهضة إلا به.

هل فشل الربيع العربي؟

وحول الربيع العربي وما يعتري مستقبله من غموض أشار الدكتور عبد الفتاح مورو إلى أن النخب العربية تخلت عن الشعوب في ظل أحداث الربيع؛ ووقفت الشعوب وحيدة في ظل انشغال النخبة بالتخطيط لذاتها ومواقعها، الأمر الذي أثر سلباً على المجريات، مشيراً إلى أن النخبة يجب أن تحمل مشروعا وتؤمن به وتسعى لتحقيقه وليس مقبولاً أن تخضع للضغوط.

"الربيع العربي لم يفشل؛ والعديد من الثورات العالمية آتت أكلها بعد عشرات السنين؛ فالثورات موجات متتالية تحمل كل منها أهدافاً معينة"

واستبعد مورو الحكم على الربيع العربي بالفشل؛ مستشهداً بأن العديد من الثورات العالمية آتت أكلها بعد عشرات السنين؛ مشبها الثورات بالموجات المتتالية تحمل كل منها أهدافاً معينة؛ فالثورة الفرنسية مثلاً أنتجت تعميم الدستور بعد 120 عاماً تقريباً؛ مناشداً النخب أن تواصل دورها المنشود في قراءة الإرهاصات وتوجه الموجات وأن تحركها في الاتجاه السليم؛ إذ تحرك الشعوب بعيداً عن النخب عادة ما يؤدي لانحراف مسار الحراك.

وأكد مورو أن ما تتعرض له الأمة الإسلامية من مشكلات ليس عقوبة وليس اختباراً بقدر ما هو نتاج خمسة قرون من الانقطاع عن الحضارة بسبب التفكك والاستعمار؛ وكل هذا لا يبرر أن لا نسعى للتغيير؛ وتحقيقه يبدأ بإيماننا كأفراد وحكومات بإمكانية نجاحنا في تحقيق التغيير.

النهضة التونسية .. من المعتقلات إلى صناعة القرار:

ويجيب الدكتور مورو حول واقع حزبه في تونس بأن واقع النهضة التونسية فيه الكثير من الإيجابية، حيث إن الحركة قد انتقلت من السجون للانخراط في المجتمع والعمل الفاعل على الأرض؛ وحققت اعترافاً قانونيا وشعبياً وأصبحت رقماً من أرقام المعادلة السياسية وأحد أطراف الحوار الوطني؛ وهي تعمل من أجل الوطن وليس لصالحها كحركة؛ وكان تخليها عن الحكم بهدف حقن الدماء.

ويُقرّ الدكتور مورو وهو أحد مؤسسي حركة النهضة بوقوعها في بعض الأخطاء عند وضعها في دائرة الخيار، مشيراً إلى أن خروجها من الحكم جاء لمراجعة النفس؛ نافياً أن يكون هناك أي ندم على الخروج من السلطة بعد دخولها فهذا يأتي في سياق تداول الحكم متغير الظروف؛ مؤكداً على أن تداول الحكم هو علامة حياة ونمو وليس علامة مقلقة.

وعزى الدكتور مورو عدم إصابة حركة النهضة في بعض قضايا الحكم لكونها عزلت عن المشاركة السياسية لمدة 40 سنة وزج بأفرادها في السجون، لكن هذا لم يمنعها من تسطير نجاحات كثيرة خلال عامين من الحكم، مؤكداً أن نجاح الإسلاميين سياسياً يحتاج على الأقل لانخراطهم في العمل السياسي لثلاث دورات متتالية، ولا يمكن الحكم على أدائهم خلال فترات قصيرة؛ مطالباً الأطراف الأخرى بمنحهم الفرصة. وأشار إلى أن الحركات الإسلامية التي تصدرت للحكم لم تكن مستعدة لذلك لكنها ليست عاجزة؛ وستنجح إذا فسح لها المجال.

الإقصاء خيار فاشل لمواجهة الخصوم:

هذا وأكد د. عبد الفتاح مورو مرات عديدة خلال الحوار على أهمية احتواء الآخر وتفهمه ومنحه الفرصة الكافية عوضاً عن إقصاءه وتهميشه وزجه في السجون؛ فالزمن لا يقبل أن يعادي الحاكم شعبه والخلاف لا يقضي على المخالفين، مشيراً إلى أن التفكير الإقصائي أنهك الأمة وأضعفها.
وأكد مورو على أن الاحتواء يعني عدم رد الفعل بالمثل واعتبار الآخر جزءاً من الحل إيماناً بمبدأ الشراكة؛ مستنكراً تصور لدى بعض المخالفين بأن الحضارة تعني إقصاء التدين والحكم العنصري على الإسلاميين.

لماذا ظهرت الحركات المتطرفة باسم الدين؟

"الخطاب الديني العقلاني لم يوجه الشباب بالشكل المطلوب، عندما غلّب الترهيب من الآخرة على أهمية العمل في الدنيا لزراعة الآخرة بالخير"

يجيب الدكتور عبد الفتاح مورو إلى أن غياب الخطاب الرشيد واعتقال العقلاء من الإسلاميين فتح الباب أمام الإرهاب الذي يستند على أفاعيله بالنصوص الشرعية في ظل إقصاء الخطاب العقلاني؛ وفي ظل حرمان الإسلاميين من التمتع بالحياة الكريمة والمواطنة مع الآخرين، والتمكن من قضاء سنيهم الجامعية بهناء ودون مراجعة مراكز الأمن، هذه الإجراءات الإقصائية مهدت لظهور الفكر المنحرف.

وأشار مورو إلى أن الخطاب الديني العقلاني لم يوجه الشباب بالشكل المطلوب عندما غلّب الترهيب من الآخرة على أهمية العمل في الدنيا لزراعة الآخرة بالخير؛ وعندما شغلهم بقضايا لا تمس حياتهم، واستثنى ما يهم حياتهم المعيشية وكيفية الوصول من خلالها للجنة، كان له أثر في عدم فهم الأولويات والمهمات؛ مستبعداً أن يحقق الخطاب المتطرف أي نجاح كونه مرفوض من مجتمعاته وإقصائي بامتياز.

وأشار إلى أن المواطن الغربي هو رهين الصورة الإعلامية التي تصله كونه يجهل الآخر؛ وللأسف فإن الصورة الإعلامية تنقل له السلبيات وتضخمها وكأنها الصورة العامة للمسلمين؛ مشيراً إلى أن الجماعات المتطرفة والمكونة من أفراد لا يمتلكون الفهم الصحيح للإسلام، وخير دليل على هذا مقارنة أفعالهم بنصوص الإسلام السمحة.

المفاوضات دون مقاومة تعد استسلاماً:

وحول مركزية القضية الفلسطينية وضرورة الالتفاف الإسلامي والعربي والعالمي حولها، أكد الدكتور مورو إلى أن منطلقات هذه القضية تدفع الجميع للتضامن معها، مشيراً إلى أن العالم بمجمله اتفق في مطلع القرن الماضي على ضرورة فك الاستعمار وضمان عيش المواطنين في أراضيهم بحرية تامة، وفي الوقت ذاته كان هناك من يتآمر على إعطاء فلسطين للصهاينة؛ وإخضاعها تحت الاحتلال الأمر الذي جعلها قضية العالم وليست قضية الأمة فقط.

وأكد مورو على أن الحرب الأخيرة على غزة صعّدت الرأي العام ضد ما يسمي بـ"اسرائيل"، وأصبح التضامن مع القضية الفلسطينية يصدر من أوساط عواصم ومدن غربية ويشارك فيها يهود محتجون على سياسات الإبادة الواقعة ضد الفلسطينيين هناك، وأصبحت الأبواب اليوم مفتوحة أمام محاكمة دولة الاحتلال بسبب إجرامها.

"بطء التحرك العربي تجاه ما حدث في غزة، يأتي بسبب الواقع الذي تحياه الشعوب. فهي رهينة تعقيدات داخلية، حيث يفتقر بعضها للحياة المدنية أو حرية التعبير"

وألمح مورو إلى أن بطء التحرك العربي يأتي بسبب الواقع الذي تحياه الشعوب فهي رهينة تعقيدات داخلية، حيث يفتقر بعضها للحياة المدنية أو حرية التعبير؛ ولو منحوا حريتهم في التعبير لعبروا عن ذواتهم تجاه هذه القضية، فهي بالنسبة لشعوب الأمة آية من كتاب الله عز وجل، وهي إرث ثقافي وتاريخي وحضاري عريق تجعل من التخلي عنها كمن يقطع يده التي هي في جسده.

وأكد مورو على أهمية وجود الدبلوماسية والمفاوضات في الصراع مع الاحتلال شريطة اقترانه بالمقاومة، فالقوة تحتاج للمقاومة والمقاومة تحتاج للقوة أيضا؛ معتبراً أن الاعتماد على المفاوضات والتخلي عن المقاومة يعد استسلاماً، مؤكداً أن المفاوضات يجب أن تكون بالتنسيق مع المقاومة في ظل أجواء من الثقة بين الطرفين.

وختم مورو الحوار معرجاً على ذكرى حرب غزة الأخيرة، والتي نعيش ذكراها الأولى في هذه الأيام؛ حيث أشاد بدور المجاهدين في غزة الذين حولوا الصراع من أن يُفعل بهم إلى أن يفعلوا هم؛ وكان من أجمل وأدهش الأفعال التي قاموا بها كيف أنهم قادوا حرباً ضروساً عبر الأنفاق بالرغم من كاميرات وأعين الاحتلال، مشيداً بصمود الغزيين وبلائهم الحسن في المواجهات.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "السبيل" اليومية الأردنية في قسم الشؤون المحلية والتحقيقات. وكاتبة في مجلة "الفرقان" التابعة لجمعية المحافظة على القرآن الكريم / الأردن؛ في الشؤون الأسرية والتربوية. وتكتب بشكل متقطع في العديد من المجلات العربية منها؛ البيان؛ الفرقان الكويتي؛ وأجيال السعودية إلى جانب العديد من المواقع الإلكترونية.

شاهد أيضاً

الردود العلمية.. ضوابط وتوجيهات

تحتوي الردود العلمية على فوائد عظيمة؛ ربما لا تجدها في كتب التأصيل المستقلة، وخصوصاً إذا …