كيف تنجح الدعوات؟

الرئيسية » خواطر تربوية » كيف تنجح الدعوات؟
250x250_uploads,2014,10,19,5443a06ea221c

كلما وجدت الإخوان في حفل شعرت بخاطر ليس بجديد عليَّ، ولكنه يتحرك بعاطفة الحب لكم والثقة فيكم؛ هذا الخاطر هو المقارنة بين عهدين لدعوتنا:

عهدها الأول: حين قام الرسول صلوات الله عليه وحده يجاهد منفرداً بعزيمة وقوة وثبات، حتى اجتمع حوله قليل من الرجال الصادقين المؤمنين فصابروا معه حتى أذن الله لهم بالجهاد {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} (الحج: 39)، ثم هيَّأ الله لهم أسباب النصر ومكَّنهم في الأرض حتى سادوا الدنيا ونشروا نورهم وعدلهم بين الناس.

وعهدها الثاني: عهد انبعاثها على أيديكم أنتم أيها الإخوان، فقمتم تجددون العهد وتحشدون القوى وتبذلون الجهود حتى يرجع للدعوة شبابها وتكتمل قوتها.

وإذا تأملنا حقيقة الدعوات وجدناها تقوم على دعائم وترتكز على أسس، إذا تحققت كاملة يتهيَّأ للدعوة النصر ومكن الله لها في الأرض وتمَّ لها الغلب والنصر، ولا تختلف في هذه الدعائم الدعوات الربانية والدنيوية، فكل واحدة منهما لا بد لها من تحقيق ما يأتي:

أولاً: وضوح الغاية وظهورها وانطباقها على حاجات الناس

فما أسرع الفقراء إلى تلبية نداء يدعوهم إلى اقتسام أموال الأغنياء! وكذلك ما أسرع الأمة المغلوبة المستذلة إلى تلبية نداء يدعوها لرفع الظلم واسترداد العزة وتحطيم القيود!.

هذه روسيا الشيوعية استغلَّ دعاتها فقر الناس في تحطيم النظم الرأسمالية والقضاء على فروق الطبقات.

"الإخوان يفهمون الإسلام فهماً واسعَ الأفق، يرونه على حقيقته نظاماً شاملاً يحقق السعادة لكل مجتمع، لا تشديد ولا تفريط، وإنما توسط وأخذ بأسباب الحضارة، وتيسير كل شيء ما لم يتعارض وقواعد الدين وصلب التشريع"

وهذا هتلر قد نجح في حشد الشعب الألماني حوله ليرجع لألمانيا عزها وكرامتها وليحررها من قيود معاهدة فرساي بعد الحرب الماضية (الحرب العالمية الثانية)؛ لأن دعوته مست وتراً حساساً في الشعب وهو الكرامة والعزة.

وإذا كانت الشيوعية والنازية -وهما دعوتان دنيويتان- توفر فيهما هذا الشرط فقد توفر بصورة أوضح في دعوتنا الإسلامية الكبرى، جاء الإسلام واضحاً سهلاً لا تعقيد فيه ولا التواء، تتقبله الفطرة السليمة وتسارع إليه القلوب الطيبة، حقق للناس العدالة بعد الظلم والعلم بعد الجهل، ومنحهم الحرية والمساواة بعد التسلط والاستعباد، وفرض للفقير حقه من أموال الغني وأزال الفروق بين الطبقات، ولذلك سارع إليه العربي في بداوته والفارسي في حضارته والهندي في فلسفته والزنجي في جهالته، سارعوا إليه فوجدوا فيه المجتمع المثالي والحياة الكريمة السعيدة.

ثانيا: يجب أن تجد الدعوة أنصاراً حولها يلتفون ولها يعملون وفي سبيلها يضحون!

فالمال لأجلها مبذول، والدماء لتغذيتها رخيصة، وإذا كان أهل الدعوات الدنيوية ضحوا وبذلوا وجاهدوا، فدعوتنا الإسلامية الربانية كان الفداء فيها أعظم والتضحية أكرم وأنبل، إن المسلمين بذلوا المال والدماء وبنوا من أشلائهم قواعد يرفعون عليها رايتهم عالية تظلل عالماً تملؤه السعادة ويعمُّه الرخاء ويسوده العدل.

ثالثاً: وتمتاز الدعوة الربانية بشرط ثالث، وهو تأييد الله سبحانه وتعالى للقائمين بها

ووعده الحق بحسن الثواب في الدنيا والآخرة خير وأبقى {وكان حقّاً علينا نصر المؤمنين} (الروم: 47)، {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} (النور: 55).

تحقق كل ذلك في دعوتنا في عهدها الأول وسيتحقق إن شاء الله في عهدها الثاني، فكتاب الله سبحانه قائم فينا يرسم لنا الطريق، وسنة رسوله الكريم تضيء لنا السبيل، واجتماعكم على الحب في الله والجهاد في سبيله؛ كل ذلك يجعلنا نستبشر بالعز والنصر.

ويسعدني أن الإخوان يفهمون الإسلام فهماً واسعَ الأفق بعيد النظر، يرونه على حقيقته نظاماً شاملاً يحقق السعادة لكل مجتمع، لا تشديد ولا تفريط، وإنما توسط وأخذ بأسباب الحضارة، وتيسير كل شيء ما لم يتعارض وقواعد الدين وصلب التشريع، يفهمون الإسلام على أنه دين حافل بالجد مليء بالنشاط مع اليسر والسهولة.

وكذلك يسرني أن يكون للإخوان طابع خاص يعرفون به ((سيماهم في وجوههم)) (الفتح: 29) فإذا رأى الناس فلاحاً متنوراً أو عاملاً مجدّاً ذكيّاً أو طالباً هادئاً رزيناً أو تاجراً أميناً أو موظفاً متواضعاً نشيطاً عرفوا أنه من الإخوان المسلمين؛ لأن هذه صفاتهم، مع فهم تام للدين ودراية واسعة بحال المجتمع ومعرفة لقضايا الوطن الخارجية والداخلية؛ مما لم يتوفر في غيرهم من الهيئات والأحزاب.

وإن هذه المدرسة الهائلة لم تتكون عفواً، ولم تتهيأ صدفة، وإنما ذلك ثمرة جهاد سبعة عشر من السنين حارب فيه الإخوان رذائل النفوس وأطماع المستعمرين وشهوات النفعيين، وجابوا البلاد من أقصاها إلى أقصاها مراراً وتكراراً.

إنهم دخلوا كل مدينة، وذهبوا إلى كل بندر، وجاسوا خلال القرى والكفور، فليس في مصر مكان إلا وصوت الإخوان يدوي فيه بدعوة الحق والحرية والقوة، ولم يبق إنسان لم يسمع بدعوة الإخوان.

ولو كانت هذه الجهود الهائلة الضخمة بُذلت لشعب آخر لأثمرت أكثر من ذلك، ولسنا نطعن بذلك في أمتنا المصرية الكريمة؛ لأننا نقدر ما أحاط بها من ظروف وما عانته من ويلات استمرت فيها لأجيال والقرون.

وبحمد الله صار في الشعب آلاف وآلاف من الشباب المثقف الطاهر؛ يعرفون أن الإسلام دين الحياة المتجددة والسياسة الرشيدة، وأنه يمنح المجتمع الحرية والإخاء والمساواة الحقيقية لا المزيفة التي تعرفها أوروبا، ويمحو بيد قوية الفقر والجهل والمرض، ويجعل الإنسان يحيا لغاية ويعيش لهدف {والله متم نوره ولو كره الكافرون} (الصف: 8).

وفقنا الله جميعاً لما فيه الخير في الدنيا والدين.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

كيف نحقق التوكل الصادق؟

لا شك أنَّ التوكل على الله من عوامل الراحة النفسية، بل من أهم أسباب الرزق …