إعادة اكتشاف الجوانب الحركية في القرآن الكريم.. سورة “الكهف” نموذجًا

الرئيسية » بصائر الفكر » إعادة اكتشاف الجوانب الحركية في القرآن الكريم.. سورة “الكهف” نموذجًا
سورة الكهف9

نَزَل القرآن الكريم لتحقيق ما لا يمكن حصره أو إدراكه من أمور، لا تعني المسلمين فحسب؛ بل هي ترسم الخطوط العامة لصيرورات الإنسانية بأكملها، وتلقنها المعارف اللازمة لكي تدرك الرسائل والمغازي من خلق الإنسان، وتسخير الكون له، وأدوات التعامل معه، شرط التدبر والاجتهاد في فهم ما جاء فيه من عبارات وصور تاريخية وإسقاطات فكرية وعملية، وما تناوله ودعا إليه في صدد الأخلاق والقيم، وأوضحه من قواعد للعمران البشري، منذ الخلق وإلى يوم يبعثون.

ومن بين أهم الرسائل التي تميز المحتوى القرآني –لو صح التعبير– وتجعله أكمل الكتب وأهمها وأعظمها أثرًا عبر التاريخ، هو ما جمعه من تنوع ما بين التأسيس الأخلاقي والفكري والتربوي، وبين الجوانب المتعلقة بحركة وسعي الإنسان في هذه الحياة الدنيا.

ولقد وردت كلمات "سعي" و"عمل"، وغيرها من أشكال الفعل والحركة، بمشتقاتها المختلفة، في القرآن الكريم، مئات المرات، وكلها كانت ذات اتجاه إيجابي في مضمونها، بخلاف العبارات والكلمات التي تتناول القعود عن الفعل الواجب على الإنسان؛ حيث كانت دائمًا ما تكون محل ذم أو ذات مضمون سلبي في التناول القرآني.

" سُورة "الكهف" تموج بالحديث عن أهمية السعي والعمل الحركي من أجل تحقيق ما استخلف اللهُ تعالى فيه الإنسان"

ولعل أهم ما يجب أن يوجه الإنسان الصحيح الفطرة، سعيه في هذه الحياة الدنيا، هو العمل على تمكين شريعة الله تعالى في الأرض، ومحاربة كافة أشكال الجهل والعبودية، والسعي إلى طلب العمل والتدبر في آيات الله تعالى، من أجل تحقيق الوصول إلى مستوىً أعلى من الإيمان، والاستفادة مما سخره الله تعالى للإنسان من مخلوقات وممكنات للعيش على الأرض، وكله يصب في اتجاه الهدف الأسمى لخلق الإنسان، وهو عبادة الله تعالى وحده، وإفراده بها سبحانه وتعالى.

ومن بين أهم سور القرآن الكريم التي أكدت على هذه الرسائل، هي سُورة "الكهف"؛ حيث إنها تموج بالحديث عن أهمية السعي والعمل الحركي من أجل تحقيق ما استخلف اللهُ تعالى فيه الإنسان.

ولعل ما يؤكد على أهمية ذلك الخَطْب الذي نحن بصدده، هو الوصية النبوية الشريفة، بقراءة سُورة "الكهف" يوم الجمعة من كل أسبوع.
وقراءة سُورة "الكهف" يوم الجمعة عبادة، أمرنا بها الرسول الكريم "صلَّى الله عليه وسلَّم"، فيقول النبي "صلَّى الله عليه وسلَّم": "مَن قرأ سُورة الكهف يوم الجمعة أضاء له مِن النور ما بين الجمعتَيْن" [أخرجه النسائي والحاكم والدراقطني، وقالوا صحيح، وصححه الألباني].

وهذا استثناء لهذه السُّورة؛ فلم يرد تأكيد نبوي على قراءة سورة بعينها من القرآن الكريم، بتواتر زمني، إلا سُورة "الكهف"، وهو ما يتطلب وقفة في محاولة لفهم الأسباب التي قد تقف خلف توجيه الرسول الكريم "صلَّى الله عليه وسلَّم"، هذا، باعتباره أنه لا ينطق عن الهوى، وما دام شرع ذلك؛ فإنه لابد وأنه من لدن السميع العليم.

فماذا وراء هذه السُّورة؟..

لو تأملنا مكونات السُّورة الأساسية، فسوف نجد أنها تتناول عددًا من القصص الأساسية، هي: قصة أهل الكهف، ورحلة نبي الله، موسى "عليه السَّلام"، وجدل صاحب الجنتَيْن الجاحد، وصاحبه المؤمن، وقصة ذي القرنَيْن، وفيما بينها، وفي مفتتح وختام السورة؛ آيات بينات تتكلم عن القرآن الكريم ذاته، وفضله، وعن نكران الجاحدين، وخوض الخائضين، وجزاء المؤمنين وعاقبة المكذبين.

والسُّورة تحفل بالدروس الحركية، ولعلها انفردت بذلك من بين سور القرآن الكريم، ففي قصية فتية الكهف؛ نجد أنهم لم يتوقفوا انتظارًا لمطاردة الملك الظالم لهم، وإنما فروا بدينهم، وإيمانهم، واضعين ثقتهم الكاملة في أن الله تعالى لن يتركهم، وبالفعل؛ فإنه أنجاهم، وأسبغ عليهم معجزاته، حتى رحلوا إلى زمن آخر، فيه ملك مؤمن.

" قصة صاحب الجنتَيْن، الذي جَحَد بأنعُمِ الله تعالى عليه، ولم يحمدَهُ عليها؛ نجد أن صاحبه لم يتركه لهذا، وسعى إلى إصلاحه، وبذل في سبيل ذلك الجهد، قبل أن يتركه لقدر الله تعالى بإهلاك زرعه"

في القصة التالية، وهي قصة صاحب الجنتَيْن، الذي جَحَد بأنعُمِ الله تعالى عليه، ولم يحمدَهُ عليها؛ نجد أن صاحبه لم يتركه لهذا، وسعى إلى إصلاحه، وبذل في سبيل ذلك الجهد، قبل أن يتركه لقدر الله تعالى بإهلاك زرعه الذي كان نعمة الله تعالى عليه، ولم يحمده عليه، واغترَّ بما آتاه الله عز وجل، من دون حول منه ولا قوة.

وهذا واجب الداعية في كل زمان ومكان، الجدل بالحسنى، والموعظة الحسنة، مهما كانت نتيجة مخاطبة الجاهلين، بينما يكون عقابهم على الله تعالى، ومآلهم إليه، يفعل فيهم ما يشاء.

وفي رحلة موسى "عليه السَّلام"؛ نجد عبر وعبارات معجِزة بالفعل في هذا الإطار، وتبدأ قصة موسى بآية لافتة للغاية في هذا الصدد: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60)".. "لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ}.. هذه العبارة أحد أهم قوانين العزم التي يجب على الإنسان الذي يتطلع إلى معالي الامور، أن يتحلى بها؛ ففيها من التعبير –على قلة عدد كلماتها– من الإصرار الكثير والكثير؛ فهو لن يتنازل أبدًا عن تحقيق هدفه.

ثم بعد ذلك، موسى، وفي سبيل المعرفة؛ لم يتردد في أن يترك رحلته، ونسي جوعه، ونسي كل شيء، عندما وجد فرصة للعلم والمعرفة، {..عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)}، وهنا لفتة مهمة للغاية، وهي بناء الفعل للمجهول في كلمة "عُلِّمْتَ"، فهنا العلم ليس للإنسان فضل فيه، وإنما هو من عند الله الحكيم العليم، وهو ما أكده العبد الصالح في نهاية موقفه مع موسى "عليه السَّلام"، عندما أرجع كل شيء لله عز وجل، وقال: {..وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي..(82)}.

والمواقف التي مرَّ فيها موسى مع العبد الصالح "عليه السَّلام"، فيها كذلك الكثير من الدروس الحركية المفيدة، فأولاً طلب العلم ارتبط بالسعي، ثم لم يقف سلبيًّا أمام الظواهر التي مرَّ بها، وأكد الله تعالى على أهمية الأخذ بالأسباب؛ فلم يتم إنقاذ السفينة، ولم يتم إنقاذ الأب والأم الصالحَيْن، ولم يتم الحفاظ على حقوق الغلامَيْن اليتيمَيْن، في كنز أبوهما، إلا من خلال العمل.

فتم خرق السفينة، وتم قتل الغلام الذي كان سوف يتسبب في ضلال والديه، وبناء الجدار الذي يخفي أسفل منه كنز اليتيمَيْن، وكان رب العزة قادرًا من فوق سبع سماوات على إنجاز ذلك؛ لكن حكمته شاءت أن يعلم الإنسان أهمية السعي والأخذ بالأسباب، مع ترك النتيجة على الله عز وجل.

كما لم يقف العبد الصالح أمام مصاعب مهامه؛ فلم يأبه للملك الظالم، ولم يغضب من موقف أهل القرية منه، عندما رفضا إطعامه وموسى "عليه السَّلام"، ولم يطلب أجرًا على ما قام به من جهد في مقابل موقف أهل القرية هذا، بل لم يبال من الأصل بشكوك موسى "عليه السَّلام" وظنونه فيه؛ بل فعل ما أمره الله عز وجل به، بالكامل.

" تعلمنا الآيات أن العجلة قد تقود إلى أن يفقد الإنسان فرص كسب المزيد من العلم والحكمة"

كما تعلمنا الآيات أن العجلة قد تقود إلى أن يفقد الإنسان فرص كسب المزيد من العلم والحكمة، فتعجل موسى "عليه السَّلام"، مرة واثنتَيْن، وفي الثالثة ألزم نفسه بما لم يلزمه به أحد، عندما قال للعبد الصالح، كما في النص القرآني: {قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا (76)}.

ومثل عبارة {لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ}؛ نجد في الآيتَيْن التاسعة والثمانين، والثانية والتسعين، معانٍ مهمة، في الحث على العمل والعزم على معالي الأمور؛ حيث يقول فيها رب العزة سبحانه، عن ذي القرنَيْن: "ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا" في سبيل تحقيق الهدف.

وقصة ذي القرنَيْن عظيمة الشأن في التأكيد على الجانب الحركي في العمل الدعوي، فهو يجوب الأرض مع جيوشه لهداية الناس وتحريرهم من عبودية غير الله تعالى، ومن ربقة ذل يأجوج ومأجوج، ويقف بنفسه يبني السد، بيدَيْه، وكله هداية من الله تعالى، فقط كان عليه السعي والعمل، مهما كلفه ذلك، حتى وصل إلى أقاصي الأرض شرقًا وغربًا في سبيل نشر التوحيد، ومحاربة الجهالة والضلال.

فمثلما قال العبد الصالح لموسى "عليه السَّلام": {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي}؛ قال ذو القرنَيْن، كما في الآية الخامسة والتسعين: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا}.

وفي الأخير، فإن الكلام يطول، ومهما طال؛ فإنه لن يوفي ولن يكشف كل أركان العظمة والحكمة الإلهية، فنختم بما ختم الله تعالى به هذه السُّورة: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)}.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

الإسلام وفن إدارة الأزمات

لا تخلو حياة الأمم والشعوب من الأزمات والمحن المتوالية التي تتكرر على مدى السنوات، تتوقف …