الأمة الإسلامية .. وحدة في الحج وفرقة في الكلمة!

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » الأمة الإسلامية .. وحدة في الحج وفرقة في الكلمة!
الحج 24

على جبل عرفة تذوب الرتب والمناصب والأعراق، ويجتمع نداء خالد مزلزل، فتلهج الألسنة بالتلبية، وينشغل الكل في الدعاء، في مشهد يحاكي يوم الحشر، والكل يرجوا أن تغيب عليه شمس اليوم وقد تساقطت عنه ذنوبه وعاد لأهله بصفحة بيضاء ناصحة.

مشهد الوحدة الجسدية يتكرر كل عام في مشاعر الحج، لكن ما يلبث أن يختفي بمجرد عودة الحجيج لديارهم، حيث تتنافر الكلمة وتتفرق عصا الوحدة! أوليس من معاني الحج أن يتوحد المسلمون طيلة العام؟ أوليس من معاني الحج أننا أمة واحدة يقف أفرادها كالبنيان المرصوص من عرفة إلى أقصى بقاع الأرض؟ فلماذا تنشق الكلمة وتبعثر الصفوف؟

مؤتمر الحج:

 يحيى الطرمان: الدعوة لمؤتمر الحج هي دعوة ربانية عريقة لكل المسلمين بدون استثناء.
يحيى الطرمان: الدعوة لمؤتمر الحج هي دعوة ربانية عريقة لكل المسلمين بدون استثناء.

الداعية الدكتور يحيى الطرمان يفتتح حديثه الخاص "لــبصائر" بتسمية موسم الحج بالمؤتمر الفريد، والذي له العديد من الأهداف التي لو فطنت أمة الإسلام لها واستفادت منها لكان حالها خير وأفضل مما هي عليه الآن.

ويضيف الطرمان بأن أول ما يلفت انتباه المرء عند التفكر في هذه المناسبة، هو مظهر العالمية الذي يتجلى بأنصع صوره، إذ تتجمع أعداد هائلة، تتجاوز المليونين من كل الجنسيات، تتكلم بكل اللغات، وتمثل كل الأعراف والألوان، لا يجمعها إلا رباط الإيمان ووشيجة العقيدة.

ويستطرد الطرمان في الحديث فيقول: إن الدعوة لهذا المؤتمر العظيم جاءت بأمر من الله تعالى لنبيه إبراهيم الخليل -عليه الصلاة والسلام-: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27]. وهي دعوة عريقة أصيلة لا تتجدد، ومكان الانعقاد الدائم الذي لا يتغير بيت الله الحرام وأكنافه المقدسة التي جمعت بين المباركة الإلهية، والعراقة التاريخية، والحرمة الدينية، وجدول الأعمال بما فيه من الأقوال والأفعال أملاه بأمرٍ من الله تعالى محمد رسول الله حيث قال: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِككُمْ"، والمدعون لهذا المؤتمر كل المسلمين، حاكمًا أو محكومًا، غنيًّا أو فقيرًا، رجلاً أو امرأة، فلا شرط ولا مزية غير الإسلام، مسلمٌ وكفى.

ويضيف الدكتور يحيى الطرمان فيقول: في الحجّ تتجلى الوحدة بواسع معانيها: وِحْدَةٌ في المشاعر، ووحدةٌ في الشعائر، ووحدةٌ في الهدف، ووحدةٌ في العمل، ووحدةٌ في القول، لا عنصريةَ ولا عصبية لِلَوْنٍ أو جنس أو طبقة، إنّما الجميع مسلمون، بربٍّ واحد يؤمنون، وببيتٍ واحد يطوفون، ولكتاب واحد يقرؤون، ولرسول واحد يتَّبعون، ولأعمال واحدة يؤدون، فلا توجد وحدة أعمق من هذه الوحدة.

الطرمان: يعلن الطائفون حول الكعبة أن محور الحياة يكمن في العبودية الخاشعة لله، والصلة الدائمة بالله

وفي هذا المؤتمر تذكير للأمة بأن تلغي جميع المحاور والأحوال التي مزقتها، وأن تتخذ المحور والمنهج الإسلامي الإلهي، فهم عندما يطوفون حول الكعبة المشرفة يعلنون هذا المبدأ المهم الذي يجعل محور حياتهم، العبودية الخاشعة لله، والصلة الدائمة بالله.

وفي هذا المؤتمر مجال لرسم السياسات العامة للأمة، ومناقشة المشكلات، والإرشاد والتوجيه من خلال الخطب في موسم الحج، كما كان في الخطبة النبوية الجامعة في حجة الوداع.

ويصف الطرمان موسم الحج بأنه موسم التطبيق العملي لوحدة الأمة الإسلامية، حيث تذوب الفوارق من لون وجنس ولغة، وتعلن الوحدة في الوجهة والنية، وفي الأقوال والأعمال، وفي الزي والهيئة، وفي الوقوف والحركة، إضافة إلى أنه يحمل في طياته ما يؤدي إلى التقاء وائتلاف النفوس وتقوية الروابط، مع الأمر الأكبر وهو ارتباط الأمة بخالقها، واتباعها لشرعه، وإعلائها للموازين الإسلامية، وإلغائها للمقاييس الأرضية.

استغلال الموسم يحتاج لإرادة سياسية قوية

ويرى الطرمان بأنه وحتى يكون لهذا الموسم أثر لا بد أن يكون هناك إرادة سياسية قوية لاستثماره، ولا بد أن يكون هناك عمل من قبل القادة المسؤولين والعلماء الربانيين وجميع المسلمين؛ ليحققوا مع الفريضة المنافع الكبرى للأمة التي تعاني الويلات والهزائم والتفرق.

ويقترح الطرمان بأن يكون هناك تشكيل للجان مختلفة تجمع الخبراء في كل مجال من المجالات من كافة الدويلات الإسلامية وتتدارس هذه اللجان واقع الأمة وكيفية التغيير للأفضل ..ولا بد من تعاون حكام وقادة الأمة مع علماء الشريعة ومختلف التخصصات والعمل معاً من أجل الأمة وعلاج مشكلاتها المختلفة.

ويختتم الطرمان حديثه لبصائر بالقول أن هناك تحديات للأمة بمجموعها، وهناك تحديات ومشكلات تخص مجتمعات دون غيرها فيتدارس القادة والعلماء والخبراء هذه التحديات العامة أو الخاصة ويضعوا الحلول لها ..على أن لا تكتفي هذه القيادات بموسم الحج بل لا بد أن يكون هناك متابعة لما بعد الموسم ..والموسم الذي يليه مثلا يتم الاطلاع على ما تم إنجازه في المواسم السابقة ووضع خطط عمل جديدة لما يستجد من تحديات.

أبعاد موسم الحج على الفرد والأمة:

الطرايرة: مخططات الصهيونية العالمية تهدف لتفرقة الأمة وعدم اجتماعها.
الطرايرة: مخططات الصهيونية العالمية تهدف لتفرقة الأمة وعدم اجتماعها.

رئيس قسم الشريعة الإسلامية بجامعة البلقاء التطبيقية الدكتور محمد الطرايرة أشار في حديثه لبصائر بأن موسم الحج يحمل ثلاثة أبعاد أساسية على صعيد الفرد والمجتمع والأمة.

ويأتي أولها: بأن يعود الحاج كيوم ولدته أمه، وهذا المعنى متعلق بالشخص نفسه، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الحاج يعود كيوم ولدته أمه، بمعنى أن ذنوبه تغفر. وأكثر أهل العلم يرون أن جميع الذنوب تغفر بلا استثناء، لكن يلزم على الحاج أن يرد الحق إلى أصحابه إن كان هناك حق لأحد عنده. ولعل مسألة مغفرة الذنوب هي الهدف الأسمى عند الإنسان، فما أجمل أن يعود بدون خطايا ويقبل على ربه بحياة وتوبة جديدة، وأن الله اصطفاه من بين خلقه وأكرمه بهذه النعمة! فكم من الناس يتمنى أن يوفق لأداء الفريضة الخامسة، فريضة الحج.

-البعد الثاني: هو تأمل كيف أن هذه الأمة تتوحد في شعيرة لم يفرق فيها بين كبير ولا صغير ولا صاحب منصب ولا من هو أدنى منه وكيف أن هؤلاء الناس كلهم وقفوا على صعيد واحد، كلهم جأروا إلى الله تعالى بنداء واحد، ليس فيهم فضل لعربي على أعجمي، ليس هناك فضل لأحمر على أسود، ليس هناك فضل لأمير على غيره أو لوزير على غيره، أو لحاكم على غيره، وإنما الفضل فيه للتقوى، فكلما صدق العبد في نيته ودعوته كلما كان هذا أحرى في أن تستجاب توبته ودعوته.

-البعد الثالث: وهو البعد الاجتماعي والذي يعطي رسالة للأمة: يا أيتها الأمة، كما كنتم مجتمعين بهذا المكان، بلباس واحد وصوت واحد وتقومون بفعل شيء واحد وتصلون مع بعضكم دون النظر إلى أي شيء يحيط بكم، فلماذا لا تكونوا على قلب رجل واحد، العقيدة واحدة ولغة التلبية واحدة والقبلة واحدة والمقدسات واحدة وأركان إسلامنا واحدة وأركان إيماننا واحدة، فلماذا لا تتحدون؟ وكأن الحج رسالة إلى أن تذوب كل الحواجز التي وضعت سواء كانت حواجز حقيقية أو وهمية تلك التي وضعت بين أبناء الأمة ليكونوا جسداً واحداً كما أرادها ربنا {وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}.

ويضيف الدكتور محمد الطرايرة بأن كل نفس مسلمة تتطلع لأن تكون بين الحجاج في هذا الموقف الكريم، وقلوب جميعهم تهوى بأن تكون في هذه الثلة الملبية، لكن منهم من يوفق ومنهم من لا يوفق لذلك، ووجه الشارع من لم يوفق للحج في هذا العام للقيام بأحكام يشابه الحجيج فيها لعله يخرج من هذه الأيام بأكبر رصيد ممكن، كالعمل الصالح في أيام ذي الحجة، وصيام يوم عرفة وهو متاح لغير الحاج فقط، والتكبير، وإظهار الشعائر، والأضحية، مشيراً إلى أن كل هذه الشعائر نتشبه فيها بالحجاج.. لماذا؟ حتى نحقق معاني في أنفسنا وفي مجتمعاتنا، فنخلص أنفسنا من أمراض القلوب، وهذا ما يجب أن يتجرد منه الحاج خلال حجه أيضا، و على المرء أن يتجرد من الحسد والحقد والبغضاء والنميمة والغيبة والكذب واللعن والقذف والنظر إلى الحرام والاستماع إلى الحرام، و يجب أن نحقق في أنفسنا أيضا تأدية الواجبات للوالدين والأرحام والأقرباء والوالدين والمجتمع المسلم.

" الطرايرة: عدم اهتمام الدول الإسلامية بالتربية الإسلامية وتكميم الأفواه يعرقل الوحدة الإسلامية"

وحول المعوقات التي تحرم الأمة من الوحدة والتآلف فيشير الطرايرة إلى أن هناك معوقات داخلية تكمن في:

-عدم تحكيم شريعة الله عز وجل
-تفرق الأمة وعدم اجتماعها على حاكم مسلم واحد.
-وجود تحديات تنخر في جسد الأمة ومنها تكميم أفواه الدعاة والقائلين بتحكيم الشريعة.
-عدم اهتمام الدول بالتربية الإسلامية وهذا من المعوقات التي تجعلنا نتأخر في تحقيق ما نتطلع إليه.

أما المعوقات الخارجية:
-المكائد الصهيونية العالمية وما تترصد به للأمة الإسلامية.
-الصليبية وما تبثه من سموم في تفرقة الأمة وإيجاد أنظمة خادمة لها.

 

كل هذه العوامل تقف بيننا وبين بلوغ وحدة الصف والعودة لعصر الانتصارات، وبالرغم من ذلك فنحن نأمل بأن تكون الأيام القادمة أيام خير للأمة وننظر دائما بنفس الإيجابية للأحوال القائمة وما نستشرفه لأمتنا ومجتمعنا.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "السبيل" اليومية الأردنية في قسم الشؤون المحلية والتحقيقات. وكاتبة في مجلة "الفرقان" التابعة لجمعية المحافظة على القرآن الكريم / الأردن؛ في الشؤون الأسرية والتربوية. وتكتب بشكل متقطع في العديد من المجلات العربية منها؛ البيان؛ الفرقان الكويتي؛ وأجيال السعودية إلى جانب العديد من المواقع الإلكترونية.

شاهد أيضاً

طفلي بلغ السابعة.. كيف أبدأ بتعويده على أداء “الصلاة” ؟

مما ينعش قلب الأبوين أن يقف إلى جوارهما طفلهما الصغير في سنوات عمره الأولى وهو …