الاجتهاد المصلحي وأهمية انضباط العمل السياسي والدعوي بالمقاصد

الرئيسية » بصائر الفكر » الاجتهاد المصلحي وأهمية انضباط العمل السياسي والدعوي بالمقاصد
كتب19

خلال السنوات التي تلت ثورات الربيع العربي، وحتى تلك التي سبقتها، تصاعد جدل كبير حول الآليات والوسائل الملائمة للتغيير وتحقيق الإصلاح المطلوب على مختلف المستويات السياسية والاجتماعية.

وتنامى هذا الجدل في ظل ما حققته الارتكاسات المضادة التي تصدت بها الأنظمة الحاكمة والقوى الإقليمية والدولية الداعمة، وتم في السياق إراقة الدماء، واستحلال مصالح الإسلاميين وكل من تبنى الفكرة الإصلاحية ودافع عن الثورة ودعم فكرتها.

فظهرت خلافات وصلت إلى مستوى الأزمات والافتراقات بين أبناء الصف الواحد، وقادت إلى تشتت الجمع الثوري الذي التأم في الميادين، وكان المستفيد الوحيد من هذا الأمر، الأنظمة الحاكمة التي عادت، بل وصارت –أمام شعوبها– الملجأ الوحيد لها من الفوضى و"الفوضويين"، في إشارة بطبيعة الحال إلى القوى التي تتبنى الخطاب الإصلاحي، ولا تزال تتحرك في الإطار الثوري.

ولقد كثُر الحديث في الفترة الأخيرة عن قضية الوسائل والآليات، وكذلك الأولويات في المرحلة الراهنة، فبينما يرى البعض أن العمل المسلح صار واجبًا، وأن التصعيد "الصفري" هو المسار الوحيد مع الأنظمة الحاكمة؛ يرى البعض الآخر، أن خيار السلمية هو الأصل، وهو المتفق مع القواعد الشرعية وقوانين التعامل العمراني السليمة، ولا بديل عنه.

وهو جدل قديم كان له أثره في بدايات الثورة العربية، في العام 2010/2011م، جعل هناك افتراقات عدة في مسارات العمل، وفي النتائج النهائية –نهائية مرحليًّا– لكل ثورة من الثورات التي اندلعت، ما بين النموذج المصري والتونسي، وبين النموذج الليبي والسوري واليمني.

وتعود أهمية هذا الموضوع، إلى التطورات التي تشهدها المرحلة الراهنة في عالمنا العربي والإسلامي، فيما يتعلق بسلوك القوى السياسية والتنظيمات والجماعات المختلفة، سواء الوطنية أو الإسلامية، التي تضطلع بمهام تتعلق بمواجهة الاحتلال، كما في فلسطين، أو مواجهة الظلم والفساد والاستبداد، كما في أكثر من بلد عربي.

المشكلة تتعلق بأمرَيْن أساسيَّيْن، الأمر الأول هو دخول الصف داخل هذه المجموعات، التي هي من المفترض أنها طليعة الأمة، وتحمل تطلعات الشعوب، في حالة من الشقاق الذي وصل إلى الاقتتال الداخلي بين هذه المجموعات، أو داخل بعضها، في كثير من الأحيان.

الأمر الثاني، يتعلق بممارسات بعض هذه القوى، التي خرجت في سلوكها عن اعتبارات السياسة الرشيدة، بما أدى إلى وصول الأذى إلى الشعوب، التي من المفترض أن مصلحتها هي الهدف والغاية من ظهور هذه المجموعات الطليعية.

والسياسة تعني القيام على الشيء بما يصلحه، ولكن ما يتم في وقتنا الراهن في بعض أروقة جماعات المقاومة، والجماعات التي تسعى إلى التغيير والإصلاح في مجتمعاتنا؛ لا يقود إلى ذلك بالمطلق.

ولننظر إلى ممارسات بعض الفصائل المسلحة في سوريا، والتي قادت مع إجرام النظام، إلى فرار الملايين من الموت إلى الموت.. كيف، وهي تأسست من الأصل؛ لحماية أبناء الشعب السوري من بطش النظام، وتحرير الأرض السورية من مجرمي العنصرية والشوفينية والطائفية؟!..النظام السوري نفسه يفعل ذلك؛ فما الفارق بينكم وبينه؟!.. أين الفارق القيمي والمصلحي الذي تأسستم لأجله، وأقمتم وجودكم ذاته عليه؟!..نفس القصة، في الحدث القريب، تكررت في مخيم عين الحلوة؛ صارت حركة "فتح" أسمى من الإنسان الفلسطيني، فليحترق المخيم؛ المهم هو هيبة وسطوة "فتح"، فتدخل صدامًا مع جماعة "جند الشام"، بينما الكيان الصهيوني على مرمى حجر من كلتا الجماعتين؛ لكن الفصيل والتنظيم صارا فوق المصلحة.. فوق حياة الناس.. أثبت بعضهم أنهم لم يُؤسِّسوا هذا الفصيل أو ذاك؛ لأجل الشعب الفلسطيني، ولكن لأجل مصالح وزعامات فارغة.

بالمثل، لم يقف أبو مازن وسلطته وقواته الأمنية وهم يدعمون أمن الكيان الصهيوني، من حرية ودماء أبناء المقاومة وطليعتها، التي هي طليعة الشعب الفلسطيني؛ لم يقفوا أمام أنفسهم لكي يسألوا بضعة أسئلة مهمة، بعيدًا عن الشرع؛ الذي تضايق سيرته، ويضايق حكمه، الكثيرين في هذه الأيام، لكن ليسألوا أنفسهم: هل هذا ما يريده الفلسطينيون؟!.. هل كان الفلسطينيون قبل ذلك أكثر حرية أم الآن؟!.. هل يضيف ما نفعل المزيد من الرفاهية لأبناء الشعب الفلسطيني أم للعدو الصهيوني؟!..

نحو تحقيق للمصلحة..

هذا الواقع، يقول بأن هناك الكثير من الانحرافات والخروج على القواعد والأصول السليمة المرعية للعمل السياسي في مثل هذه الأحوال، والمؤسف أن البعض يقتبس من تجارب الآخرين التاريخية، من دون إعمال العقل والشرع فيها، لمجرد ادعاء البطولة، وهو أمر باطل.

البعض يتكلم عن نموذج فيتنام، ويتحمس له، بينما لم يدرسه شرعًا، ويترك ما جاء به دينه، وعلى رأس ذلك، قضية الاجتهاد المصلحي، وتغير الظروف وأثره على العمل، سواء السياسي أو العسكري أو المجتمعي، أو أيًّا كان، ولا يسأل نفسه: ماذا كان سوف يفعل الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، في هذا الموقف؟!، أو لماذا تصرف الرسول "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، في الموقف الواحد بطريقتَيْن مع اختلاف الظرف والزمان؟!..

يقول الدكتور أحمد الريسوني في دراسته "الاجتهاد المصلحي.. مشروعيته ومنهجه"، إن الاجتهاد المصلحي "هو الاجتهاد الذي تُراعى فيه المصلحى ويُبنى عليها، سواء كانت المصلحة هي سنده الوحيد، أو كانت عنصرًا مؤثرًا ضمن عناصر وأدلة أخرى، فمتى ما دخل في استنباط الحكم وتقريره، اعتبار المصلحة، وكانت إحدى مقدماته الاستدلالية؛ فهو يدخل في باب الاجتهاد المصلحي".

ويعرِّف المصلحة على أنها "كل فائدة مقبولة معتبرة بأدلة الشرع وموازينه ومقاصده، بمعنى أن تكون مصلحةً مشروعة على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة".

بعبارة أخرى، أن تكون المصلحة ضرورية أو حاجِيَّة أو تحسينية سواء دل عليها نص معين أو دلت عليها جملة نصوص، أو اندرجت فيها عُلم من مقاصد الشريعة، أو كانت مما علم بالتجارب والضرورات والخبرات والحاجات البشرية.

أهم ما قاله الريسوني وعلماء الأصول والفقه في هذا الصدد، أن مما يدخل في ذلك؛ درء المفسدة، باعتبار أن درء المفسدة؛ مصلحة في حد ذاته.
أي أن أي فصيل أو جماعة سياسية، تنهض وتعلن أنها تسعى لتحقيق أهدافًا تحررية أو إصلاحية؛ يجب عليها وعلى قياداتها الإيمان بأن هناك مبدأ يجب الاستقرار عليه، وهو أن مصالح الإنسان المرسلة شرعًا، هي الأصل، وأصل التسخير في خلق الكون، هو مصالح الإنسان، حتى لو كانت فيها معصية؛ لأن ذلك يرتبط بقضية الاختيار ومن ثَمَّ المحاسبة.

هذا لا يحدث؛ فنضحي بالناس والعمران، لأجل أهداف سياسية فصائلية ضيقة، بالرغم من أن هذا الأمر، مِن المُستَقر عليه شرعًا وفقهًا وعقلاً في ديننا الحنيف، ولذلك أي شيء -حتى لو هدم الكعبة كما في الحديث النبوي الشريف- يخالف ذلك؛ فهو بجانب أنه حرام؛ فهو مخالف لقوانين العمران.
فلا معنى للحديث عن مصلحة سياسية لحزب أو فصيل أو جماعة أو كذا؛ على حساب دماء الناس ومصالحهم.

الأصل في الأمور هو الحفاظ على مصالح الناس، ومقاصد الشريعة، وعلى رأسها حفظ النفس، وضمان استقرار العمران البشري؛ لإتاحة الأمور أمام الدعوة إلى دين الله تعالى، وإقامة الغاية العظمى من الخلق، وهو عبادة الله تعالى الواحد الأحد، لا شريك له، وإفراده بها، ومن يقول خلاف ذلك؛ فهذا تدليس على الله تعالى.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

إضاءات جديدة حول حرية الاختيار والمُعتَقَد كأصلٍ في القرآن الكريم

تُعدّ قضية حرية الاختيار واحدةً من أهم مباحث الحقوق الفردية في نظرية الحق في الدراسات …