الحركة الإسلامية وخطأ تجاوز قوانين الاستطاعة بعد الربيع العربي

الرئيسية » بصائر الفكر » الحركة الإسلامية وخطأ تجاوز قوانين الاستطاعة بعد الربيع العربي
الحركة الإسلامية24

قبل فترة كتبنا عن قوانين الاستطاعة وحاكميتها في سعي الإنسان، من زاوية الأسس الفكرية والحركية لهذه القوانين العمرانية التي برغم أهميتها؛ إلا أنها لا تأخذ البال والاعتبار الكافيَيْن من الحركيين داخل أوساطنا الإسلامية للتدقيق فيها، وفي هذا الموضع نطبق ما ذهبنا إليه في الموضوع الأول، على واقع الحركة الإسلامية في مرحلة ما بعد الربيع العربي.

اندلعت ثورات الشعوب العربية حاملةً معها الكثير والكثير من الآمال والأمنيات، وعلى رأسها نيل حياة حرة كريمة، وكانت تتصور –بسذاجة سياسية أو ربما بسبب ضعف الخبرة بالعمل السياسي– أن الإطاحة برؤوس الأنظمة، يعني أن كل مشكلاتها قد تم حلها، وأنها سوف تبدأ مسار الإصلاح والتنمية المنشودَيْن.

فوجئت الشعوب، وفوجئت معها القوى التي قامت بالثورة وكانت طليعة لها، أنها ترى الأمور وتتحرك فيها من منظور مثالي؛ لا يقوم على أساس من الواقع، وأن من تمت الإطاحة بهم في تونس ومصر واليمن وليبيا؛ إنما هم قمة جبل الجليد الطافية فوق سطح الماء، وأن جبل الجليد أعمق وأرسخ كثيرًا مما يظهر.

اصطلح على تسمية الجزء المختفي تحت الماء من جبل الجليد بـ"الدولة العميقة"، وتعني -باختصار غير مخلٍّ– تلك القوى المجتمعية والسياسية، الرسمية وغير الرسمية التي تملك مفاتيح الأسرار والثروات، وتسيطر على القرار الرسمي، وتعمل في الخفاء، في ظل تغييب رؤوس الجليد الطافية، لأي وسيلة رقابية تتيح للشعوب معرفة من هؤلاء وكيف يمكن السيطرة عليهم.

وتضم هذه الدولة العميقة، منظومة من أصحاب المصالح وصنَّاع القرار، في ثنائية شهيرة للغاية في عالم السياسة والحكم في بلدان العالم العربي والإسلامي، وسياسات الاستبداد بشكل عام، وهي ثنائية الثروة والسلطة، والتي لا يمكن النهوض بأي عملية إصلاح، إلا بعد كسر الطوق الذي يربط بين كلا الطرفَيْن.

تعمدت الدولة العميقة والقوى القديمة التي رأت في الثورات هزًّا لقواعد ملكها؛ فرفضت التعامل مع القوى الجديدة التي صعدت إلى سُدَّة الحكم، وعرقلت كل مشاريعها، وكانت المشكلة الأخرى الأساسية التي تواجه هذه القوى، أن الثورات جاءت بالإخوان المسلمين، وقوى الإسلام السياسي إلى الحكم، وهي كانت مُصنَّفة بالأمس، في خانة الأعداء!

ظهرت العديد من الاجتهادات للتعامل مع هذا الموقف من جانب القوى التي قامت بالثورة، فبينما رأت بعض القوى، تطبيق نماذج ثورية عنيفة، مثل نموذج الثورة البلشفية والثورة الإيرانية والثورة الرومانية، بالقضاء على أركان الدولة العميقة، وبناء مؤسسات الدولة من جديد. رأى البعض أن هذا النموذج ليس ناجحًا، والدليل على ذلك الانتكاسات التي شهدتها رومانيا ودول أخرى في السنوات التالية على ثوراتها، أو أنها أسست لديكتاتوريات جديدة، كما في الاتحاد السوفيتي وإيران، بينما لم ينجح ذلك من الأصل في دول أخرى.

قدم البعض بدائل أخرى من بينها القيام بمحاولات إصلاح تدريجية، مع تطبيق صارم للقانون على الساسة والمسؤولين الفاسدين، بشكل يضمن ردع الباقين، وتعاونهم مع القوى الثورية في عملية تقدم بطيئة في المجال الأمني والسياسي والاقتصادي.

فرض هذا الهاجس وضرورات العمل على معالجة المشكلة المرتبطة به، نماذج تاريخية، من بينها النموذج التشيلي؛ حيث إنه لا يمكن الحديث عن نجاح أية تجربة ثورية أو ديمقراطية؛ ما دامت مراكز القوى في أماكنها، سواء أكانت رسمية أو غير رسمية.

حاول البعض –كما هو حال الحركة الإسلامية في مصر– تقديم رؤية تقوم على أساس المزج بين هذه البدائل، تطبيق القانون، وتطهير مقنن للمناصب الإدارية والأمنية والعسكرية الكبرى، واستغلال طاقات الشباب داخل الصف الثوري، في القيام بالمهام الرقابية والتنفيذية التي يتقاعس المسؤولون عن القيام بها، مع توجيه جزء من الجهد الثوري إلى مجال التظاهر وممارسة الضغوط في الشارع، في مواجهة الإدارات الحكومية والمسؤولين الذين لا يقومون بواجبهم، أو يقومون بما يعطل المسيرة.

حاولت الحركة الإسلامية، ونحن لم نزل مع النموذج الذي جرى في مصر، القيام بمهام الحكومة بعد ثورة يناير؛ ففشلت طبعًا؛ لأنه لا دورها ولا إمكانياتها تؤهلانها لهذا، ثم تحملت عبئ الفشل أمام الجمهور.

ويعود ذلك إلى تجاوزها قوانين الاستطاعة، فمن أول أزمة جمع القمامة، وصولاً إلى دعم الثورات في الأقطار العربية الشقيقة؛ حاول الإخوان المسلمون والرئيس محمد مرسي التصدي، وهو ما خرج عن قدرة الحركة الإسلامية وطاقات أبنائها؛ مما أدى إلى فشل على المستوى الإجرائي، أي أنه ليس فشلاً للمنهج، ولا للفكرة الثورية، وإنما في اجتهاد القائمين على الحركة الإسلامية.

نفس القصة نجدها تتكرر الآن، فالمنهج الذي تأسست عليه جماعة الإخوان المسلمين له ثوابته وأركانه، مثل التدرجية في التغيير، والبدء بالقاعدة الاجتماعية، حتى إذا ما وقع التغيير؛ يكون عن قناعة، ويتحمل المجتمع بأكلمه، أعباءه وتكاليفه، وتتوزع المهام والمسؤوليات على الجميع.

وهو ذات ما يحدث في الدول المتقدمة سياسيًّا؛ حيث إنه متى ما ظهرت أزمة؛ فإن الحكومات والقوى السياسية والمجتمعية تتنادى فيما بينها لتكوين حكومة ائتلافية؛ لتوزيع مهمة القرار، وأعباء المرحلة على الجميع، وتكون الدولة والمجتمع حزمة واحدة تتحرك في ذات الاتجاه.

الآن، هناك دعوات للانقلاب على هذا المنهج، والخروج عنه.. لماذا؟!.. لأن بعض الصف خرج عن قانون الاستطاعة في مواجهة الانقلاب الذي وقع في مصر، ففشل، ودفع الثمن غاليًا، ثم يشكوا الآن ويدعو للخروج عن المنهج الأصلي الأصيل الذي قامت عليه الدعوة.. فهل هذا منطق سليم تُدار به الأمور؟!..

كلا بطبيعة الحال؛ لأن كل ما خالف قوانين العمران من الأصل؛ إنما هو داحض؛ لأنها القواعد التي وضعها الخالق عز وجل لاستقرار الخلق، وبالتالي؛ فإنه لا يمكن كسرها.

بالمثل؛ كان التصدي للانقلاب من دون باقي القوى الاجتماعية والسياسية، خطأ، لأنه خدم رسالة مهمة للنظام، من أن الأزمة بين الدولة والإخوان، ولا علاقة للمجتمع بها، وكان الأولى تحقيق الاصطفاف الوطني، من خلال جهد يتركز على الوصول إلى صيغة ملزمة للجميع، تتدارك ما جرى أثناء المرحلة الانتقالية التي تلت ثورة يناير، وحتى الانقلاب على شرعية الرئيس مرسي.

البدائل المتاحة الآن متعددة، من بينها ما يدعو البعض في صدد الانغلاق على الذات، ولكن من دون الانفصال عن الواقع، وذلك من أجل إعادة البناء والترتيب الداخلي، وإصلاح المنظومة التربوية والتنظيمية، التي تضمن عدم وصول الخلاف حول الآليات والبدائل؛ إلى مستوى الشقاق الحالي، مع التأسيس لبنية عمل أقوى، تقوم على أساس رؤية أكثر فهمًا للواقع.

قد لا يقبل بعض الصف بهذا الحديث؛ لأنه قد يرى فيه استسلامًا أو إعلان هزيمة أو ارتكاسًا على المبادئ الثورية، ولكنه، من دون تأسيس حقيقي لحركة تقوم على أساس فهم الواقع؛ لن يمكن الحديث عن ثورة من الأساس، والتجارب التاريخية الناجحة تقول بذلك، على النحو الذي تم في جنوب أفريقيا، التي نال السود فيها حقوقهم، بعد عقود طويلة من الكفاح القائم على أساس توظيف الطاقات الكامنة في إطار من التعامل مع الواقع الصلب، مزج بين العمل السياسي والإعلامي، والعمل المسلح؛ حتى استبب الأمر في النهاية لأصحاب الحق.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

أوسلو وسُلطتها وأركان جريمة “صفقة القرن”!

ليس افتئاتًا أو من قبيل المبالغة، تحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية الموقف الراهن؛ حيث إن هناك …