حتى ننجح في نقل التجربة الدعوية والتربوية

الرئيسية » خواطر تربوية » حتى ننجح في نقل التجربة الدعوية والتربوية
تجمع 8

يقول أحد المربين: "عملت في بيئة تربوية في أحد المساجد والمراكز القرآنية، وكانت تجربتي في هذا المكان ريادية ورائعة، أحسست أني أرتقي بالطلاب من مستوى لآخر، واستخدمت العديد من الوسائل وحققت كثيراً من الأهداف التي أرمي إليها؛ حتى تركت ورائي العشرات من الشباب الملتزم المؤمن بربه والعامل لدينه ودعوته، ثم تغيرت أحوالي وانتقلت إلى مكان آخر بعيدٍ عن المكان الأول وله بيئة ومعطيات مختلفة، وكنت حاملاً في ذهني تلك التجربة الريادية التي قمت بها في المكان الأول، فحاولت نسخ التجربة وتطبيقها على الطلبة الجدد، بل وزدت في الوسائل وأنفقت أموالاً أكثر، ومضى زمن ليس بالقليل وأنا أحاول تطبيق التجربة ولا أرى ثمرة أو تقدماً من الطلبة حتى وصلت لحالة من الملل، فعلمت عندها أن هذا المكان الجديد يحتاج لفهم واقعه بشكل أعمق ويحتاج لفكرة ووسائل مختلفة".

" كلما كانت البيئة الجديدة متشابهة مع البيئة الأولى، كانت نسبة النجاح في نقل التجربة أكبر، أما إذا كانت البيئتان مختلفتين كانت نسبة النجاح ضئيلة"

هذا ما قد يحدث مع أحدنا عندما يحاول استنساخ التجارب من مكان لآخر دون مراعاة للواقع الجديد، فكلما كانت البيئة الجديدة متشابهة مع البيئة الأولى، كانت نسبة النجاح في نقل التجربة أكبر، أما إذا كانت البيئتان مختلفتين كانت نسبة النجاح ضئيلة.هنا يظهر أمر مهم للدعاة والمربين وهو دراسة البيئة التربوية أو الدعوية ومحاولة إيجاد الوسائل المناسبة لهذا المكان، وهل يصلح نقل التجربة من مكان آخر لها أو لا، وأهم ما يجب التفات الداعية إليه في هذا السياق لبناء تجربة ناجحة ما يلي:

أولاً: المستوى المعيشي للمتربين أو المدعوين، أهم فقراء أم أغنياء، أم متوسطو الدخل، أم هناك بيئة مختلطة فيها الغني والفقير، لأن كل منهم له وسيلته التي تجذبه، فكلٌ له اهتماماته التي يفرضها الواقع المعيشي. فقد يغري الفقير هدية بينما يحتاج الغني لكلمة، فالداعية الفطن يستغل الظروف والفرص المتاحة ويجيرها لمصلحة دعوته دون تعد أو استغلال لحاجة الآخرين، بل يكون عوناً للناس سواء أكانوا فقراء أم أغنياء، فهو كالغيث أينما وقع نفع.

ثانياً: المستوى الأخلاقي والآداب العامة في المكان، ومدى انتشار الرذيلة والمعاصي وأماكن الفجور، ومدى منافسة هذه الأماكن على جذب المتربين إليها، وما مدى تأثيرها على الواقع والمكان والإنسان، فكلما كان المكان بعيداً عن الرذيلة والفجور كلما كان التأثير به أكبر والتعامل معه أسهل، وهذا يجعل للداعية أيضاً استعدداً لتقبل النجاح أو الفشل في الوسائل المستخدمة أو الصبر الطويل عليها.

ثالثاً: الالتفات إلى طبيعة الأدوات والوسائل المستخدمة من التيارات الجاذبة للمدعوين أو المتربين، خاصة ما يتعلق منها بالترفيه والرياضة والتكنولوجيا المعاصرة، ومحاولة مجاراتها ومنافستها وتجييريها لصالح الداعية أو المربي، بالإضافة للتميز في جوانب معينة لا تتقنها التيارات الأخرى.

"لا بد من الالتفات للعادات والتقاليد في البيئة الدعوية؛ فله دور كبير في إنشاء تجربة ريادية، بل وكسب دعم الجمهور المحيط للداعية ولمشروعه وفكرته"

رابعاً: البيئة الأمنية المعارضة للأعمال التربوية والدعوية والمحاربة لها والمحذرة منها، التي قد تشكل جمهوراً معارضاً لك ولعملك وتوجهك، ومدى خطورتها على العاملين والمتربين، وهنا يجب على الداعية الحذر والتعامل مع الواقع بذكاء وحكمة، واختيار الأنشطة والأساليب التي لا تلفت الانتباه والتدرج الطويل الأمد لبناء دعاة وتحقيق اختراقات في هذه البيئة.

خامساً: الالتفات للعادات والتقاليد في البيئة، فله دور كبير في إنشاء تجربة ريادية، بل وكسب دعم الجمهور المحيط للداعية ولمشروعه وفكرته، فمراعاة خصوصيات الآخرين والانتباه لها يجلب الاحترام للدعاة فيفتح قلوباً وأبواباً.

ختاماً...إن نقل التجارب من مكان لآخر أو من بلد لآخر يحتاج لروية ودراسة جيدة للواقع المستنسخ له التجربة، حتى تأتي ثمارها على أحسن وجه، بأقل جهد ووقت ممكن، فهذا الإمام الشافعي في باب الفقه لما هاجر من العراق لمصر أنشأ مذهباً جديداً غير فيه كثيراً من آرائه واجتهادته، لما رأى من معطيات مختلفة فرضها الواقع الجديد في مصر، فمن باب أولى على الداعية والمربي النظر لهذا الواقع الجديد والتعامل معه بما يناسبه، فما نجح في فلسطين قد لا يناسب العراقيين، وما فشل في لبنان قد يناسب الخليجيين، وما يناسب منطقة معينة لا يعني بالضرورة مناسبته لمنطقة أخرى في ذات البلد.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
تربوي وإداري بخبرة تزيد عن خمسة عشر عاماً، حاصل على درجة الماجستير في الفقه وأصوله من جامعة اليرموك في الأردن، مدرس علوم اسلامية وشرعية، بالإضافة للعمل في عدد من المراكز والهيئات التربوية والدعوية المتنوعة، مدرس علوم قرآن وخبرة في تدريس التلاوة والتجويد.

شاهد أيضاً

أعمال الإنسان بين استغلال الوقت والتوفيق

كثيراً ما يقف الإنسان ذاهلاً أمام عمره وهو يمر به سراعاً كقطرات الماء المتسربة من …