د. السوسي: العشر من ذي الحجة خير أيام الدنيا.. فحُج بقلبك إن لم تحُجَ بجسدك

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » د. السوسي: العشر من ذي الحجة خير أيام الدنيا.. فحُج بقلبك إن لم تحُجَ بجسدك
123199

بدأت عشر التنافس في الطاعات، وهي عشر أيامٍ فاضلة، رفع الله شأنها، وأعلى مكانتها، واختصها بمزيدٍ من الشرف والكرامة، وجعلها ميدانًا للمنافسة في الخيرات، والمسابقة بين المؤمنين في مجال الباقيات الصالحات، وموسمًا عظيمًا للتجارة الرابحة مع الله، ألا وهي العشر الأوائل من ذي الحجة، ففي صيامها وقيام لياليها، مع صدقة السر وأعمال البر، والإكثار من الذكر؛ يعيش المسلم الجو الإيماني الذي حُرم منه في مشاهد الحج، كما أنه بذلك ينسجم إيمانيًّا مع حركة الحج التي يقصد الناسُ فيها البيتَ الحرام، فيشارك إخوانه الحجاج بحج القلب وإن لم يحج الشخص بجسده.

فالصائمون هذه أيامهم، والقائمون هذه لياليهم، والمتصدقون والمصلون والقانتون والذاكرون هذا موسمهم الذي ينتظرون، وأيامهم التي إليها يشتاقون.

فما هو فضل العشر الأوائل من ذي الحجة؟ وكيف يمكن استغلالها؟ وما هي أحب الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى خلالها؟

هذه الأسئلة وغيرها أجاب عنها الدكتور ماهر السوسي، عميد كلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية بغزة، في حواره لموقع "بصائر" فإلى نصّ الحوار:

بصائر: بداية، ما هي أبرز فضائل العشر الأوائل من ذي الحجة؟

"العاشر من ذي الحجة هو يوم النحر وهو عيدٌ المسلمين ومن أجل ذلك كانت هذه الأيام أيام مميزة لها ميزانها وخصائصها الخاصة التي تفردت بها عن غيرها من الأيام"

د. السوسي: العشر الأوائل من شهر ذي الحجة هي أيام فضيلة ومباركة ولها منزلة خاصة في التشريع الاسلامي ولها مكانة وقدسية مميزة في حس الانسان المسلم، كما أن لها فضائل كثيرة نستطيع أن نستخلصها من خلال النصوص الشرعية التي وردت في القرآن الكريم لبيان مكانة هذه الأيام ومنزلتها، وعلى رأس هذه النصوص قول الله سبحانه وتعالى: {والفجر وليالٍ عشر} حيث أقسم الله سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين بالفجر، كما وأقسم بالليالي العشر وعند الكثير من المفسرين أن المقصود هو أيام هذه الليالي العشر الأولى من شهر ذي الحجة، ودائماً حينما يكون هناك قسم فإن المقسم به لابد أن يكون عظيمًا، هذه هي طبيعة الأحوال في القسم، والدليل على عظمة هذه الأيام أن الله سبحانه وتعالى أقسم بها، فكيف عندما يكون المقسم نفسه عظيماً وهو الله سبحانه وتعالى؟ وكأن في هذا القسم إشارة إلى المؤمنين جميعاً لكي ينتبهوا لأهمية هذه الأيام ومنزلتها ويسارعوا فيها بالتقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

بصائر: ما هي أبرز النصوص التي بيّنت فضل العشر الأوائل من ذي الحجة؟

د. السوسي: من النصوص التي بينت فضل هذه الأيام قول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة:36].
ومعروف أن شهر ذي الحجة من الأشهر الحرم، التي حرم الله فيها القتال، وحرم فيها ظلم النفس، حيث قال في نفس الآية: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} وظلم النفس يكون بارتكاب المعاصي والآثام، وارتكاب ما يوجب سخط الله سبحانه وتعالى، فالله نهى المسلمين أن يفعلوا هذا لكي لا يظلموا أنفسهم، كما أن الأشهر الحرم ذاتها لها أهمية وقدسية خاصة، والعشر من ذي الحجة هي جزء من هذه الأشهر الحرم.

وورد في فضل الأشهر الحرم قول الله سبحانه وتعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [سورة البقرة: 197]، ويقصد بأشهر معلومات أي أشهر معروفات يعرفهن جميع الناس، وهذا يدلل على أن فضل هذه الأشهر معروف ولها شهرة خاصة في أذهان الناس، حيث سمى هذه الأيام بالأيام المعلومات.

كما وقال سبحانه وتعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُواْ اسم الله على مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الانعام فإلهكم إله واحد فَلَهُ أَسْلِمُواْ} [سورة الحج: 34]، وعلى ذلك شهر ذي الحجة موجود ضمن مجموعة أشهر الحج، وهي شوال وذي القعدة وذي الحجة، وهذه هي الأشهر التي سماها الله بالأشهر المعلومات، وهذا يدل على سعة شهرتها وقدسيتها عند المسلمين لأن فيها مناسك الحج، من أجل ذلك يتتبعها المسلمون في كل عام، ثم أن من فضل هذه الأيام أن فيها يوم عرفة وهو يوم مشهود لأن فيه ركن الحج الأكبر وهو الوقوف في عرفة، وهذا يزيد هذه الأيام فضلًا وشهرة، وأيضًا العاشر من ذي الحجة هو يوم النحر وهو عيدٌ المسلمين ومن أجل ذلك كانت هذه الأيام أيام مميزة لها ميزانها وخصائصها الخاصة التي تفردت بها عن غيرها من الأيام.

بصائر: ما هي أبرز الأعمال التي يمكن أن يؤديها المسلم خلال العشر الأوائل من ذي الحجة؟ وكيف يمكن استغلال هذه الأيام؟

"يزداد حب الله للعمل الصالح في هذه الأيام العشرة، والرسول لم يدلنا على عملٍ محدد في هذه الأيام العشرة، وهذا يدل على رحمة الله في العباد لأن الله أراد لكل المسلمين أن يفوزوا برضاه"

د. السوسي: دلنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ما ينبغي لنا أن نقوم به من أعمال في مثل هذه الأيام فقال صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ اْلأيَّامِ الْعَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ).

فبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن العمل الصالح هو عملٌ يحبه الله سبحانه وتعالى في كل وقت وحين، لكن يزداد حب الله للعمل الصالح في هذه الأيام العشرة، والرسول لم يدلنا على عملٍ محدد في هذه الأيام العشرة، وهذا يدل على رحمة الله في العباد لأن الله أراد لكل المسلمين أن يستفيدوا من هذه الأيام ويفوزوا برضاه، فقال النبي أن العمل الصالح هو الأحب الى الله تعالى في هذه الأيام وكلمة أو لفظ عمل صالح، هو لفظ عام يدخل فيه كل عمل صالح من دون استثناء، والأعمال الصالحة لا نستطيع أن نعدها، فذكر الله عمل صالح، وقراءة القرآن عمل صالح، والتسبيح، وإماطة الأذى، وزيارة المريض، عمل صالح ومد يد العون لمن يحتاج، وبر الوالدين عمل صالح، وهناك الكثير من الأعمال الصالحة التي لا نستطيع عدها، وبهذا نعلم أن كل مسلم بإمكانه أن يتقرب إلى الله في هذا الشهر الفضيل، بخلاف لو قال أحب الأعمال إلى الله في هذه الأشهر الصوم مثلاً، فليس كل الناس يستطيعوا الصيام، بل إن هناك ضعاف ومرضى لا يقدرون على الصوم وبالتالي سيحرم الكثير من الناس الأجر. ولو قال أحب الأعمال الصدقة لحرم الكثير من أجرها، ومن خير هذه الأيام لأن ليس كل الناس يملكون المال.

والرسول -صلى الله عليه وسلم- سن لنا صيام يوم عرفة وهو على رأس هذه الأيام وقال فيه: "إني لأحسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده"، وهناك نصوص للعلماء أن النبي سن صيام التسعة أيام كاملة قبل يوم العيد، لكن لا يراد الصيام وحده في هذه الأيام ليتقرب بها الى الله، ولكن هناك أعمال صالحة كثيرة.

بصائر: ما هي رسالتك للشباب والدعاة، وما هو المطلوب منهم فعله خلال الايام العشر؟

"ينبغي على المسلم أن يعيش الجو الإيماني الذي حُرم منه في مشاهد الحج، فيشارك إخوانه الحجاج بحج القلب وإن لم يحج الشخص بجسده"

د. السوسي: هذه الأيام هي نفحة من نفحات الله، والرسول -صلى الله عليه وسلم- أوصانا بأن نستغل مثل هذه الأيام بالطاعات والأعمال الصالحة، وينبغي على المسلم أن يعيش الجو الإيماني الذي حُرم منه في مشاهد الحج، كما أنه بذلك ينسجم إيمانيًّا مع حركة الحج التي يقصد الناسُ فيها البيتَ الحرام، فيشارك إخوانه الحجاج بحج القلب وإن لم يحج الشخص بجسده، فالخاسر هو الذي يضيّع هذه الأيام دون أن يستفيد منها بالتقرب إلى الله.

وأقول للشباب -إن عجزت أو ضعفت همتك عن صيام التسعة كلها، فلا تعجز عن صيام ثلاثة أيام منها من أوَّلها أو وسطها أو آخرها، متفرقة أو متوالية، فإن صيام ثلاثة أيام من كل شهر سنة متبعة، فإذا كنت تحرم صيامها في كل شهر، فلا تترك صيامها في هذا الشهر الكريم، وبخاصة في العشر الأول منه، وإن ضعفت همتك عن هذا، أو شغلت عنه، فإياك أن يفوتك صيام يوم عرفة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن صيامه: "أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والسنة القابلة". وأتوجه إلى الدعاة بأن يكونوا على قدر من المسئولية في بيان فضل هذه الأيام بالموعظة الحسنة والإرشاد.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

صحفية فلسطينية مقيمة في قطاع غزة، حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والاعلام من الجامعة الاسلامية بغزة عام 2011م، وكاتبة في موقع “بصائر” الإلكتروني، وصحيفة “الشباب” الصادرة شهرياً عن الكتلة الاسلامية في قطاع غزة. وعملت في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية أبرزها صحيفة فلسطين، وصحيفة نور الاقتصادية، وصحيفة العربي الجديد.

شاهد أيضاً

هل بقي لأطفال غزة وقت للاحتفال بيومهم العالمي؟

في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بـ "اليوم العالمي للطفل"، تستيقظ الطفلة أميرة أبو كميل، …