رسائل في ظلال سورة الحج

الرئيسية » خواطر تربوية » رسائل في ظلال سورة الحج
الحج 23

الحج دورة روحية إيمانية تكفالية اجتماعية يتزود منها المسلم لعمره كله، ففي هذه الأيام العظيمة المباركة أفضل أيام السنة وأكثرها بركة، في هذه الأيام تسري في جسد الأمة روح للبعث الجديد واستنهاض الهمم وشحنات قوية للعروج في سماء الارتقاء والنهضة والتغيير نحو الأفضل.

ومن دليل عظمة هذه العبادة أن خصها بسورة تحمل اسمها الذي هو واحد من أركان الإسلام وأعمدته الخمس، ولكن القارئ للسورة يلحظ أنه لا يوجد فيها ذكر لكيفية أداء الحج كنسك وشعيرة بل جاءت سورة الحج تتحدث عن موضوعات التوحيد والتخويف من الساعة، وإثبات البعث، وإنكار الشرك، ومشاهد القيامة، وآيات الله المبثوثة في صفحات الكون وإلى جوارها الموضوعات المدنية من الإذن بالقتال، وحماية الشعائر، والوعد بنصرالله، والأمر بالجهاد في سبيل الله، والظلال الواضحة في جو السورة كلها هي ظلال القوة والشدة والعنف والرهبة، والتحذير والترهيب واستجاشة مشاعر التقوى والوجل والاستسلام.

إذن ما هي الدروس والرسائل الواردة في ظلال سورة الحج، التي يحدثنا الله بها ويريدنا أن نستلهمها ونأخذ بها، ومنها:

" على المسلم أن لا يعبد الله على حرف وأن لا يجعل العقيدة صفقة في عالم التجارة"

1) على المؤمن أن يرتكز إلى عقيدة راسخة ثابتة في حياته، فمهما تضطرب الدنيا من حوله يثبت هو على هذه الركيزة، و تتجاذبه الأحداث والدوافع فيتشبث هو بالصخرة التي لا تتزعزع؛ وتتهاوى من حوله الأسناد فيستند هو إلى القاعدة التي لا تحول ولا تزول.

2) على المسلم أن لا يعبد الله على حرف وأن لا يجعل العقيدة صفقة في عالم التجارة، فقد صوّر التعبير القرآني هذا المشهد للإنسان في عبادته لله بغير المتمكن من العقيدة، ولا متثبت في العبادة، يصوره في حركة جسدية متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى ومن ثم ينقلب على وجهه عند مس الفتنة، ووقفته المتأرجحة تمهد من قبل لهذا الانقلاب!.

3) أسس هذا البيت "الكعبة المشرفة" منذ أول لحظة لأجل توحيد الله ولا يشرك به شيئا، فهو بيت الله وحده دون سواه، وليطهره للحجيج، وعلى المسلم أن يتخلص من كل ما قد يشوبه ويعكر صفاء هذا التوحيد، ليلبي نداء الله في كل مكان وزمان وتحت أي ظرف تلبية خالصة لله لا شريك له سبحانه ولا ند له جل في علاه.

"الحج مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة، مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن ويجدون محورهم الذي يشدهم جميعاً إليه"

4) الحج مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة، مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل ويجدون محورهم الذي يشدهم جميعاً إليه: هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعاً ويلتقون عليها جميعاً، وفي هذا درس للأمة جمعاء على أن تتوحد تحت راية التوحيد والعقيدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان، ففيه يتحقق التلاحم الوثيق الذي أمرت به الآية القرآنية: {واعتصموا بحبل الله جمعيا ولا تفرقوا} [آل عمران:103].

5) على المسلم أن يعظم حرمات الله، وأن يتحرج من المساس بها، وذلك خير عند الله، خير في عالم الضمير والمشاعر، وخير في عالم الحياة والواقع، والحياة التي ترعى فيها حرمات الله هي الحياة التي يأمن فيها البشر من البغي والاعتداء، ويجدون فيها متابة أمن، وواحة سلام، ومنطقة اطمئنان.

6) البنية الإنسانية لا توقظ كل الطاقات المذخورة فيها كما تستيقظ وهي تواجه الخطر؛ لذا شاء الله تعالى أن يجعل دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم؛ كي يتم نضجهم هم في أثناء المعركة، عندئذ تتحفز كل خلية بكل ما أودع فيها من استعداد لتؤدي دورها، ولتتساند مع الخلايا الأخرى في العمليات المشتركة، ولتؤتي أقصى ما تملكه، وتبذل آخر ما تنطوي عليه، وتصل إلى أكمل ما هو مقدور لها وما هي مهيأة له من الكمال.

7) قد تكفل الله بحفظ دعوته من تكذيب المكذبين، وتعطيل المعوقين، ومعاجزة المعاجزين، وهو من يحفظها كذلك من كيد الشيطان، ومن محاولته أن ينفذ إليها من خلال أمنيات أصحاب الدعوات التي تتعلق بسرعة نشر دعوتهم وانتصارها وإزالة العقبات من طريقها، فيحاول الشيطان أن ينفذ من خلال أمانيهم هذه فيحول الدعوة عن أصولها وعن موازينها، فيبطل الله كيد الشيطان، ويصون دعوته، ويبين للرسل أصولها وموازينها، فيحكم آياته، ويزيل كل شبهة في قيم الدعوة ووسائلها.

"الكسب الحقيقي للدعوة في التقدير الإلهي الكامل غير المشوب بضعف البشر وتقديرهم، هو أن تمضي على تلك الأصول وفق تلك الموازين"

8) كثيرة هي أمنيات الدعاة وما يودون من أماني ورغبات بشرية متعلقة بنشر الدعوة وانتصارها، ذلك على حين يريد الله أن تمضي الدعوة على أصولها الكاملة، وفق موازينها الدقيقة، ثم من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فالكسب الحقيقي للدعوة في التقدير الإلهي الكامل غير المشوب بضعف البشر وتقديرهم، هو أن تمضي على تلك الأصول وفق تلك الموازين، ولو خسرت الاشخاص في أول الطريق، فالاستقامة الدقيقة الصارمة على أصول الدعوة ومقاييسها كفيل أن يثني هؤلاء الأشخاص أو من هم خير منهم إلى الدعوة في نهاية المطاف، وتبقى مثل الدعوة سليمة لا تخدش، مستقيمة لا عوج فيها ولا انحناء.

9) قد تدفع الحماسة والحرارة أصحاب الدعوات إلى استمالة بعض الأشخاص أو بعض العناصر بالإغضاء في أول الأمر عن شيء من مقتضياتها، ولقد تدفعهم كذلك إلى اتخاذ وسائل وأساليب لا تستقيم مع موازين الدعوة الدقيقة، ولا مع منهج الدعوة المستقيم. وذلك حرصاً على سرعة انتصار الدعوة وانتشارها. واجتهاداً في تحقيق مصلحة الدعوة، في حين أن مصلحة الدعوة الحقيقية في استقامتها على النهج دون انحراف قليل أو كثير..

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • في ظلال القرآن / سيد قطب
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب أردني مهتم بالشأن التربوي.

شاهد أيضاً

ويحك أمتي.. متى تستيقظين؟

قلت: يا ترى! ما هو الحدث الذي إذا وقع في أمة الإسلام؛ سيوقظها من غفلتها …