انتفاضة القدس: الجذور والأسباب

الرئيسية » ملفات خاصة » انتفاضة القدس » انتفاضة القدس: الجذور والأسباب
انتفاضة القدس18

إن المتتبع لمسيرة النضال الفلسطيني وانتفاضاته المتعددة ليعجب لهذه الحيوية التي يتميز بها هذا الشعب. فما أن تنتهي انتفاضة أو هبة ويسكن الناس ويقال إن الشعب قد تطبع وأنه انشغل بالدنيا وتعقيدات الحياة ومتطلباتها خاصة في الضفة الغربية، حتى ينتفض من جديد! فما السر في هذه الانتفاضة أو الهبة التي نتابعها اليوم ونتعجب لاندلاعها بهذه القوة؟

لاشك أن الأمر بحاجة إلى دراسات علمية ميدانية للوقوف على أسباب انتفاضة الأقصى الجديدة خاصة أننا هنا أمام مزاج شعبي وليس أمام قرار سياسي اتخذته الفصائل الفلسطينية، رغم أن الفصائل تساهم بشكل متفاوت فيما بينها في هذه الانتفاضة خاصة تلك التي لم تترك سلاح المقاومة ولا التحريض على المقاومة في صفوف أتباعها وأنصارها كحماس والجهاد الإسلامي.

"تأثر الشعب الفلسطيني بما جرى حوله من ثورات الربيع العربي، حيث شعر الفلسطينيون أن النصر على اليهود قادم، وأن تحرير فلسطين أصبح قاب قوسين أو أدنى"

إلا أننا سنحاول بشيئ من التحليل النفسي للأحداث وتداعياتها وأثرها على نفسية الشعب الفلسطيني، أن نتوصل إلى بعض هذه الأسباب، وقد نصيب وقد نخطئ، ولا شك أن الأمر مطروح للبحث والنقاش والأخذ والرد.

لقد تأثر الشعب الفلسطيني خلال الفترة الماضية بما جرى حوله من ثورات الربيع العربي، فارتفعت معنوياته عند انتصار الثورات المصرية والتونسية والليبية، وانتشى وهو يشاهد الشعب السوري يثور على الجلاد، وشعر الفلسطينيون أن النصر على اليهود قادم، وأن تحرير فلسطين أصبح قاب قوسين أو أدنى، وأن الشعوب العربية إذا قالت كلمتها فإن فلسطين في الوجدان، ولن تتخلى عنها، بل ستكون أولى الأولويات للحكومات المنتخبة من الشعب، وإن لم يكن فورا ففي الزمان القريب.

إلا أن هذه الفرحة وهذه المعنويات العالية ما لبثت أن أصابها الإحباط والحزن والكآبة، بسبب الانتكاسة التي أصابت الثورة المصرية تحديداً، ثم في التيه الذي دخلت فيه الثورات السورية والليبية واليمنية، وأصبح ما بات يعرف بالثورة المضادة والداعمون لها من الأنظمة العربية هم أسياد الموقف. ثم في هذا الخضم المتلاطم جاءت حرب غزة الأخيرة لتعيد الأمل إلى النفوس، بل أصبح الفلسطيني يعتقد بإمكانية هزيمة هذا الكيان المسخ بما أظهرته المقاومة في غزة من إبداعات وما حققته من انتصارات.

"حرب غزة الأخيرة كان لها أكبر الأثر في تحفيز الشعب الفلسطيني في القدس والضفة على التحرك"

إنني أزعم أن حرب غزة الأخيرة كان لها أكبر الأثر في تحفيز الشعب الفلسطيني في القدس والضفة على التحرك، بعد أن شاهد الأقصى تدنسه أقدام جنود الاحتلال وهو يعلم أنه لا نصير له إلا الله. لذا قرر أن ينتفض؛ رداً للعدوان وشعوراً بالرغبة في الانتقام من هذا العدو الذي أذاقه ألوانا من العذاب والهوان على الحواجز العسكرية التي تقطع أوصال الضفة الغربية، وكذلك عندما أيقن أن الحلول السلمية وطريق أوسلو هي سراب في سراب، وأن لديه من القوة النفسية والإرادة ما يؤذي به الاحتلال، مستحضراً إذلال جنوده على حدود غزة في ناحل عوز والشجاعية ورفح، وقصص البطولة لكتائب القسام، وأن كل قوة هذا العدو موهومة وليست حقيقية، لذا تجد أن الشاب يهجم على مجموعة من الجنود المدججين بالسلاح يطعنهم ويحاول نزع سلاحهم تماما كما رأى إخوانه يذلونهم على حدود غزة.

إن الوعي الجمعي للشعب الفلسطيني قد توصل إلى أنه لن يخلع أحد شوكنا فلنتول نحن جميع أمرنا، وإن فلسطين يحميها أهلها والأقصى نصونه بالتضحية والدماء والأجساد العارية للمرابطين والمرابطات. لقد أدرك الفلسطينيون أن زمن التعويل على الآخرين قد ولى، وأن العالم كله لم يعد يكترث لما يحدث في فلسطين خاصة الرسمي منه فلم الانتظار؟

ثم ما هي هذه الحياة التي يحياها الفلسطيني وتجعله يحرص عليها ويتمسك بإيجابياتها أو مكتسباتها؟

"هذه الانتفاضة التي تفاجأ بها الكثيرون كانت متوقعة من كل من يعرف طبيعة هذا الشعب الذي أثبت تاريخه النضالي أنه شعب حي يرفض الضيم ويأبى الهوان"

العمل لا يمكن إلا في الوظيفة والوظيفة محكومة بعوامل عدة وغير متاحة للجميع، وإذا كانت موجودة فالراتب لا يكفي والانتقال إلى العمل أو الدراسة في كثير من الأحيان هو نوع من العذاب بين حواجز الاحتلال المذلة بشدة للرجال والنساء، هذا غير ما يتعرض له أهل القدس خاصة من منع للبناء وضرائب أثقلت كاهلهم واعتداءات المستوطنين المتكررة عليهم وعلى أملاكهم.

باختصار لقد أحال الاحتلال حياة الفلسطيني الى جحيم وقطع أوصال الضفة وخنق مدنها وقراها بالاستيطان، وحرم الفلسطينيين من التمتع بحقوقهم الإنسانية على أرضهم ثم أكمل المشهد بالاعتداء على المقدسات والأعراض، وينتظر بعد ذلك أن يحيا في هدوء قال الفلسطينيون: هذا لن يكون.

لقد راهن الاحتلال وأعوانه على العامل الاقتصادي أنه سينسي الشعب الفلسطيني مصيبة الاحتلال وجرائمه واعتداءاته، وساهم القمع للمقاومة في تخويف الناس إلى حد ما، إلا أنّ هذا الشعب أثبت أصالته وغزارة عطائه، وأن العيش بكرامة وعزة في الوطن لا يعدله شيء من متاع الدنيا. فهب لإنقاذ أرضه والدفاع عن عرضه ومقدساته، وأحسب أن هذه الانتفاضة التي تفاجأ بها الكثيرون كانت متوقعة من كل من يعرف طبيعة هذا الشعب الذي أثبت تاريخه النضالي أنه شعب حي يرفض الضيم ويأبى الهوان.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
حاصل على الدكتوراه في التربية، ومدرب معتمد في التنمية البشرية وبرامج تربية الأطفال. عضو مجلس إدارة جمعية المحافظة على القرآن الكريم في الأردن، ولديه خبرة طويلة في العمل الاجتماعي والإغاثي.

شاهد أيضاً

“افعلوا الخير” دعوة قرآنية وخُلُق نبوي

يقول رب العزة تبارك وتعالى في كتابه العزيز: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا …