ربيع عربي في فلسطين

الرئيسية » حصاد الفكر » ربيع عربي في فلسطين
عبد الرحمن يوسف

من الخطأ أن نعتبر المشهد الذي نراه اليوم في الأراضي الفلسطينية المحتلة امتدادا للربيع العربي، وسبب ذلك أن الثورة الفلسطينية بدأت منذ ما يقرب من قرن من الزمان، وما زالت مستمرة.

إنها ثورة راسخة كأشجار الزيتون في الأرض التي بارك الله حولها، تسير بسند متصل لا انقطاع فيه، لا مكان فيه لمجروح، ولا موضع فيه لكاذب.

ولكننا لا نستطيع أن نغفل حقيقة أن ما يحدث في دول الربيع العربي كان محفزا هاما لكل ما يحدث في فلسطين اليوم.

بدأ الربيع العربي في تونس الخضراء، تونس الغالية العزيزة، ثم حدث الانفجار حين ثارت مصر.

حينها ... وحينها فقط تحركت ليبيا، وسوريا، واليمن ... والقائمة تطول !

وبعد أن بدا لبعض قصار النظر أن الثورة المصرية قد أجهضت بانقلاب الثالث من يوليو 2013 رأينا فكرة الثورة قد انتشرت في دول أخرى، فرأينا العراق قد ثار بأساليب الاحتجاج السلمي في دول الربيع نفسها، ورأينا شباب لبنان يتمرد بالأساليب نفسها، وها نحن نرى فلسطين الغالية تقول "لا" ببلاغتها الفريدة وأسلوبها الخاص، وبما يتناسب مع طبيعة معركتها التي تخوضها ضد محتل أجنبي عنصري يتسلح بكل أسلحة الدمار الشامل فكريا وعسكريا.

نحن أمام جيل فلسطيني جديد، ولد وعاش وتربى في ظل اتفاقية أوسلو المشينة، ولكنه يثور عليها بلا تردد، يسحقها بلا رحمة، تماما كما نرى جيلا عراقيا يثور على المنظومة التي أحضرها المحتل الأمريكي معه حين دخل العراق، ونرى جيلا لبنانيا يتعالى على الطائفية السياسية اللبنانية الراسخة، ويرفع مطالب اجتماعية عادلة، ويقاتل دونها دون تفرقة بين انتماء وانتماء.

الربيع العربي يبث من روحه في شباب فلسطين، فتثبت الأيام جدارة جيل جديد بحمل الراية من جيل سبقه، جيل ضحى كثيرا، في المنافي، وفي الكفاح المسلح، وفي الكفاح السياسي.

لقد حاول صهاينة إسرائيل وصهاينة العرب أن يحولوا الضفة الغربية إلى بؤرة منعزلة عن الواقع الفلسطيني، وشغلوا الجيل الجديد بكل سفاسف الأمور، وبكل الرياضات والبرامج التافهة، ولا شك أنهم ظنوا أنهم قد نجحوا في إفساد جيل الشباب، ولكن ما حدث في مصر ... يتكرر في الضفة الغربية !

في مصر ظن حكام البلد أن شبابها لا يهتم إلا بالتوافه، ولا يتذكرون معنى الوطن إلا مع منتخب الكرة، وأن المخدرات واللهو وجمع المال قد فعلت فعلها في جيل الشباب، وفجأة جاء الطوفان، وسحق رأس النظام، ولولا خسة ونذالة النظام (حيث تمسكن كي يتمكن) لسحق النظام كله.

في الضفة الغربية شباب كانوا عند حسن ظن أمتهم، وآبائهم، وأجدادهم !

لقد فاجأونا كمعجزة ربنانية في لحظة شك معتم !

شابات وشبان في عمر الزهور يقاومون المحتل بكل ما تيسر من الطرق الرمزية، بسكين المطبخ، ولو حرموا منها لقاوموه بالأظافر والأسنان.

من أي حقل أينعت تلك الأزهار؟

من حقل فلسطين ... وها هي تنشر روائحها في موسم الربيع ... الربيع العربي الفلسطيني المقدسي !

يقف اليوم العدو الإسرائيلي مسلحا بتأييد عملاءه العرب، وعلى رأسهم نظام الانقلاب العسكري العنصري في القاهرة !

يقف الإسرائيلي ملوحا لنا بمكافحة الإرهاب، متباهيا بتجنيده لرؤساء عدة دول عربية، محاولا تلقيننا دروس العقل والحكمة.

ولكن شباب القدس أخرسوا لسان كل عميل قبل أن يخرسوا لسان المحتل، وبعد أن حاصر عملاء الكيان الصهيوني غزة بماء البحر، رأينا سيل الشباب يغرق الكيان الصهيوني بالحجارة والمقالع والسكاكين والسواطير.

هي هَبَّةٌ ... لها ما بعدها، وأهم ما فيها أنها تظهر المعدن الحقيقي لهذا الجيل، وتظهر أن المعركة مستمرة، وأن ترويض الأسود مستحيل، وأن عدو الزيتون ليس أكثر من طريدة ستلتهمها أسود الأرض المحتلة، وما ذلك على الله بعزيز.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • عربي 21
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الانقلاب التونسي والمستفاد من سقوط آخر الأوهام!

ارتاح كثيرون لفوز قيس سعيد بالانتخابات الرئاسية التونسية، حينما كان خصمه في تلك الانتخابات نبيل …