شِيَعًا!!.. عندما يكون شتات الجماعة المسلمة عقابًا من الله

الرئيسية » بصائر الفكر » شِيَعًا!!.. عندما يكون شتات الجماعة المسلمة عقابًا من الله
اختلاف مع الآخرين

من بين أهم التوصيفات التي يمكن إطلاقها على كلام الله تعالى في كتابه العزيز، هو أنه كتاب عمرانٍ بالدرجة الأولى؛ حيث يحوي القواعد العامة التي تضمن صيرورة الوجود الإنساني على الوجه الأكمل الذي يريده اللهُ عز وجل، للإنسانية، ووفق المنهاج والشريعة التي ارتضاها لأمة التكليف؛ أمة محمد "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم".

والمتأمل لآيات القرآن الكريم التي تتكلم عن أسس العمران السليم، والتي تضمن نجاح الجماعة البشرية، والجماعة المسلمة على وجه الخصوص، سوف يجد أن الأساس الأول لذلك، إنما هو التقاء الكلمة، واجتماع المواقف، على عضد رجل واحد، وفق ما أمر به الله تعالى وأقره من قواعد وتعاليم في شريعته.

وكما أكد القرآن الكريم على أهمية الوحدة في تدعيم قواعد العمران البشري؛ فإنه ذم أشد الذم في الفرقة التي تحقق الاختلاف والافتراق بين صفِّ الأُمَّة، بل وجعله –أي هذا الافتراق– كذلك، أحد أوجه العقاب للجماعة المسلمة، متى خرجت عن قاعدة الإجماع، وفق منهج الله تعالى لها.

في البداية، وبشكل عام، جاء في سُورة "الجِن"، وهي سُورة مكِّيَّة، نزلت في السنوات الأولى للبعثة، قول الله عز وجل: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا (16)}، والمقصودين في الآية، هم المشركون، ففي الآيتَيْن السابقتَيْن، يقول الله تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15)}، ثم جاءت آية الطريقة هذه.

والمقصد فيها ترغيب المسلمين في التوحد على الطريق المستقيم، والتأكيد على أن أول درجات الاجتماع، وأساسه، هو الالتقاء على الطريقة، أي المنهاج، والاستقامة عليها.

" إن الجماعة البشرية لو التقت على أساس منهجي معين، وتحلقت حوله؛ فإنها تضمن اجتماع الكلمة، ووحدة الموقف، وهذا الأساس المنهجي في حالة أمة الإسلام"

وبطبيعة الحال؛ فإن الجماعة البشرية لو التقت على أساس منهجي معين، وتحلقت حوله؛ فإنها تضمن اجتماع الكلمة، ووحدة الموقف، وهذا الأساس المنهجي في حالة أمة الإسلام، هو الشريعة التي ارتضاها الله عز وجل لنا كمسلمين.. بقواعدها الجامعة الشاملة، والتي لا خلاف عليها.. {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [سُورة "المائدة" – من الآية 48].

والاجتماع والتوحُّد في الكلمة والمواقف، إنما هو نعمة من الله تعالى، وهو ضرورة عمرانية شديدة الأهمية لتحقيق النجاح.. يقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)} [سُورة "آل عمران"].

أي أنه، وببساطة ووضوح؛ فإن الاعتصام بحبل الله تعالى، أي طريقته، أي شريعته، إنما هو نعمة من الله تعالى، وفوق ذلك؛ فإنه –الاعتصام– أهم أسباب النجاة، في الدنيا {إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء}، أي تقتتلون، وترمون بأنفسكم إلى الله تعالى وأنتم على غير دين الإسلام، وفي الآخرة {وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ}.

نأتي هنا إلى الجانب الآخر، وهو الخاص بعواقب تشتت مواقف أمة المسلمين، وتفرق كلمتها، وهو أمرٌ –لو تعلمون– عند الله عظيم، وهو أسوأ عاقبةً من أي شيء آخر تقوم به الجماعة المسلمة، أو فئة منها.

عند تدبُّر القرآن الكريم، سوف نجد فيه قضية، هي من بين أهم القضايا التي بمثابة صُلب وجود هذه الأمة، وهي قضية عبر عنها القرآن الكريم بمصطلح "الشِّيَع"، وهو أمرٌ مختلف قليلاً وأكثر خطورة، عن حالة الفرقة أو الاختلاف.

ففي النهي عن التنازْع، والذي يأتي بسبب عدم طاعة ما أمر الله تعالى به، وجاء به رسوله "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.. يقول الله تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(46)} [سُورة "الأنفال"].. هنا المعنى قريب وواضح؛ فنتيجة عدم الطاعة، والتنازع، هو الفشل والفناء.

"التفرق شيعًا يعني مستوىً أعلى من الفرقة والاختلاف، فقد يصل إلى مستوى الأزمة أو الصراع، وقد يصل إلى مستوى الاقتتال"

ثم نأتي إلى مصطلح التفرق شيعًا؛ والذي يعني مستوىً أعلى من الفرقة والاختلاف، فقد يصل إلى مستوى الأزمة أو الصراع، وقد يصل إلى مستوى الاقتتال، كما أنه من بين مصدر خطورته أنه يشمل في شق منه، الاختلاف في الدين.

ولقد ورد ذلك في القرآن الكريم، في أكثر من موضع، سواء في المحاذير المرتبطة به، وخصوصًا فيما يتعلق بالدين؛ الفرقة في الدين، وكيف جاءت في صيغة تهديد بعقاب للمؤمنين إذا ما خرجوا عن منهج الله تعالى.

فيقول الله عز وجل: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)} [سُورة "الأنعام]، وفي هذه الآية، إشارة إلى أن التَّشيُّع في المواقف، إنما أكبر من مجرد التفرق والخلاف، فهو –كما تقدَّم– يعني الخلاف، ويعني الاقتتال بين أبناء الجماعة الواحدة، وأنه عقاب من الله تعالى لمن خرج عن تعاليمه من أبناء أمته.

وعلى خطورة هذا الأمر، فإنه وفي نفس السُّورة، يأتي الأمر الإلهي ببراءة رسوله الكريم "صلَّى الله عليه وسلَّم من هؤلاء.. يقول الله: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (159)}.

ولذلك؛ يمكن فهم موقف الرسول الكريم "صلَّى الله عليه وسلَّم"، يوم أن تباطأ صحابته، في موقف الحديبية، عندما أمرهم بالحلق والنحر؛ حيث قال بالنص، وبكل وضوح: "هَلَك القوم"، ولم يكن "صلَّى الله عليه وسلَّم"، يقصد أن هلاكهم سيكون بسبب عصيانهم أوامر نبيهم "صلَّى الله عليه وسلَّم" فحسب؛ بل كان يقصد كذلك، أن الهلاك سوف يأتي –كذلك– بسبب افتراق كلمة الأمة.

ولقد خاطب القرآن الكريم النبي "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، أكثر من مرة، ونهاه فيها عن اتباع هوى القوم، وأن يقف عند حدود ما أنزل الله عز وجل، وألا يكترث لمواقف الآخرين، كما يأمر أمته بذاته الأوامر؛ الأخذ بما أنزل الله، وعدم الركون إلى ذات ما أتى به خصوم الأمة، من المشركين، بالتفرق في الدين، واللهو عن حقيقة التوحيد، والركون إلى الحياة الدنيا والفرح بها.

وفي سُورة "الرُّوم" آيات واضحات في ذلك.. يقول الله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31)}، ثم يقول تبارك وتعالى، في توصيف موقف المشركين الظالمين لأنفسهم، من أنه من بين صفاتهم: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)}.

يستتبع ذلك الحديث عن قضية وحدة الصف الإسلامي، خارج إطار التنظيمات، وهو أمر شديد الأهمية، ولكنه، وفق الصورة السابقة، من المفترض أن يتحول إلى أمر من نافلة القول؛ باعتباره فريضة مثل الصلاة والصيام؛ يجب على المسلمين فرادى وجماعة، أن يحرصوا عليها.

فما ورد في هذا الصدد في القرآن الكريم، أتى في إطار الأوامر والنواهي والتحذير المشدد، وفي مواضع حديث سابقة، أشرنا إلى أن ما يُقال بهذه الصيغ، صيغ الأمر والنهي والتشديد؛ إنما هو بمثابة فرائض من الله تعالى، وجب على المسلمين القيام بها، وليس أمامهم إزاءها إلا السمع والطاعة لأوامر رب العالمين.. فيا أصحاب الشِّيَع ودعاة الاختلاف، هل أنتم منتهون؟!..

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

“الاستقطاب الفكري”.. غياهب الجُبِّ تبتلع الشباب العربي!

لا تنفك الأنظار تتابع أخبار المجتمع العربي حتى تجد نفسها أمام وقائع سقط فيها الشباب …