هل يشترط وجود مكاسب سياسية لاستمرار الانتفاضة؟؟

الرئيسية » ملفات خاصة » انتفاضة القدس » هل يشترط وجود مكاسب سياسية لاستمرار الانتفاضة؟؟
الانتفاضة 28

يتلمس المرء بين الفينة والأخرى بعض الدعوات التي لا تهدف إلا إلى إحباط الشعب ونشر روح اليأس والاستسلام بين أفراده.

وبعبارة أخرى.. فإنه في ظل الانتفاضة الحالية، نجد بعض العبارات التي لا تهدف إلا لتخذيل الهمم والعزائم، عبر القول أن لا مكاسب سياسية أو استراتيجية مترتبة على الاستشهاد في هذه الانتفاضة، بالإضافة إلى جعل الوحدة الوطنية شماعة لمنع القيام بالكفاح واستمرار الجهاد ضد المحتل.

والحقيقة الواضحة أن الشعب الفلسطيني متحد ميدانياً وشعبياً، ليس منذ الآن، بل في كل ثورة وهبة وانتفاضة ضد المحتل، حيث نجد الفلسطيني بغض النظر عن انتمائه السياسي يقف ولو شعورياً مع أبناء شعبه وقضيته، ولا يصح أن نجعل الفئة الشاذة من أبناء شعبنا حاكمة على نضال الشعب وجهاده.

وعودة إلى فكرة ذهاب الأرواح سدى لعدم وجود مكاسب سياسية مترتبة عليها، فإن هذه الدعوى مرفوضة كلياً من جوانب عديدة، منها:

"طريق التحرر طريق طويل شاق، يحمل في ثناياه الكثير من التضحيات، ولا يمكن بأي حال أن نصل لمشهد المعركة الفاصلة، دون المرور بأحداث يسقط فيها الشهداء، وتبذل فيها المهج والأرواح"

1- طريق التحرر والانتصار هو طريق طويل شاق، يحمل في ثناياه الكثير من التضحيات، ولا يمكن بأي حال أن نصل لمشهد المعركة الفاصلة، دون المرور بأحداث يسقط فيها الشهداء، وتبذل فيها المهج والأرواح، ويلحق الأذى والضرر بالأفراد والمجتمع.

2- لو عدنا إلى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، والتي ختمت بالانتصار وفتح مكة، نجد أن المسلمين قدموا العديد من الشهداء في الغزوات والوقائع المختلفة، منهم من عرفناهم، ومنهم من جهلناهم.

إن الدماء التي سالت في بدر وأحد والخندق، وغيرها من الأحداث والغزوات، كانت الوقود والزاد الأساسي لاستمرار الجهاد، ليس في العهد النبوي فحسب، بل ما زالت حتى أيامنا الحالية. وهذا لا ينطبق على المسلمين دون غيرهم، بل إن كل الشعوب تستمر على نضالها وكفاحها، مستلهمة من تضحيات أبنائها ودمائهم الطاقة والثبات والإصرار على تحقيق المطالب.

3- الأصل في الفعل أن ننظر إلى المصلحة المترتبة عليه، وطبيعة الحال والواقع الذي يحيط به. والجهاد في فلسطين ليس اقتتالاً بين مسلمين، ولا جهاد فتنة أو طلبٍ لمنصب أو سلطة. وإنما هو يندرج تحت باب الفرض العيني، فكيف إذا كان يترتب عليه مصلحة الإثخان في العدو، وإلحاق الأذى به، والرد على عربدته وهمجيته. صحيح أننا مع الجهاد الذي يعتمد على جلب المصلحة، ويتصف بالرشد والوعي، ويبتعد عن الفوضى والعشوائية. لكن تعليق الجهاد على المكاسب السياسية، وهو أمر مختلف عما سبق، يحارب الجهاد ويوقفه، ويقضي على أية ثورة أو انتفاضة ضد المحتل. لذا هناك فرق واضح بين الجهاد الرشيد، المعتمد على استراتيجية واضحة، ويكون سلاحه موجهاً للعدو فقط، وبين الجهاد المثالي الذي يطالب به بعض المتقاعسين والمخذلين، تحت مسمى التفكير والمصلحة.

4- إن الواجب العيني في ظل استهداف الفلسطيني أياً كان عمره أو جنسه أو طبيعة حالته، وفي ظل انتهاك حرمات المسجد الأقصى وتدنيسه بشكل يومي ومتكرر، يتطلب الوقوف في وجه العدو بحزم وقوة، وهذا يشمل كل الصور التي بالإمكان القيام بها، بدءاً من المسيرات والمظاهرات، مروراً بعمليات الطعن واستخدام السلاح. كما أن الأصل في الإنسان أن يكون له موقف واضح حينما تستهدف ثوابته وخطوطه الحمراء، وهذا يتطلب القيام بكل ما يمكن فعله وتحقيقه، ولا شك أن هذه الأمور هي التي تصنع المكاسب، وتغير الظروف، وتعيد رسم خارطة الوقائع والأحداث. أما البكاء والحزن والتخذيل وتعليق الأحداث على أمور، لا تعتبر إلا نتائج للأفعال التي يقوم بها الشعب، فهو أمر مناقض للفطرة والغيرة والشرف.

ما المطلوب من الجميع؟؟

"المقاومة ليست طعنة بسكين، أو طلقة رصاص فحسب، بل هي روح تسري في نفوس الجميع، تحرك جوارحهم لرفض كل ما يمس ثوابتهم، وأنصاف الحلول التي تساوم على الأرض والمقدسات والإنسان"

إن على شعبنا الفلسطيني أن يدرك الآن أنه طالما ما زال الاحتلال الصهيوني على أرضنا، فإن كل فرد من أفراده هو مشروع شهادة، وفرد في مشروع المقاومة، شاء أم أبى؛ فالرصاص الصهيوني لا يفرق بين الانتماء السياسي أو التوجه الفكري، بل لا يميز بين طفل أو شيخ، أو ذكر أو أنثى.

إن المقاومة ليست طعنة بسكين، أو طلقة رصاص فحسب، بل هي روح تسري في نفوس الجميع، تحرك جوارحهم لرفض كل ما يمس ثوابتهم، وتعزز فيهم رفض كل أنصاف الحلول التي تساوم على الأرض والمقدسات والإنسان.

إن المطلوب من كل فلسطيني أن يتبنى خيار المقاومة ويؤمن به، فلا سبيل لإعادة الأرض دون ذلك، ولكن لا يعني تبني المقاومة أن يكون فقط على صفحات التواصل دون تحقيقه على أرض الواقع، أو عزم النية على تطبيقه.

إن على أبناء شعبنا في الداخل الفلسطيني، وعلى خطوط التماس، أن يقوموا بمجموعة من الأمور حتى ينجحوا هذه الانتفاضة، ويعجّلوا بتحقيق المكاسب المترتبة عليها، من خلال ما يأتي:

"المطلوب من كل فلسطيني أن يتبنى خيار المقاومة، فلا سبيل لإعادة الأرض دون ذلك، ولكن لا يعني تبني المقاومة أن يكون فقط على صفحات التواصل دون تحقيقه على أرض الواقع"

1- المشاركة في المظاهرات والفعاليات الداعمة للانتفاضة، والتي ترسل رسالة واضحة للاحتلال مفادها أن الشعب الفلسطيني متحد على خيار واحد، هو خيار المقاومة، ويجتمع بجميع فصائله وأطيافه السياسية عليه، ويرفض أي شيء يعارضه.

2- المقاومة الفردية، والتخطيط لضرب العدو في كل ما يمكن استهدافه به، على الحواجز، أو طرق المستوطنات، أو في أي مكان يمكن للفلسطيني أن يظفر بأي من الصهاينة.

3- التكافل الشعبي، خصوصاً مع عائلات الشهداء والمعتقلين ومن هدمت بيوتهم، فهذا يعطي دافعاً معنوياً لكل من يسعى لمقاومة المحتل، بأنه لن يكون وحيداً، وأن لديه حاضنة شعبية، تقف من خلفه وتدعمه وتشد على يديه.

4- المقاطعة الاقتصادية للاحتلال الصهيوني، إذ لا يعقل أن يقتل الاحتلال أبناءنا وبناتنا، ونقوم نحن بدعمه مادياً من خلال شراء منتجاته ودعم اقتصاده المتهالك بسبب الانتفاضة.

5- الاستمرار في فضح ممارسات الاحتلال الهمجية، وإبراز صمود الشعب الفلسطيني وتضحياته، ونشر ثقافة المقاومة بين الناس، وهذا كله يكون بالاستخدام الفعّال لوسائل التواصل المختلفة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

“وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ”.. ما “الطريقة”؟ وكيف نستقيم عليها؟

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا} [سُورة "الجن" …