الإسلاميّون والاهتمام بالعلوم الإنسانيّة

الرئيسية » بصائر الفكر » الإسلاميّون والاهتمام بالعلوم الإنسانيّة
كتب11
"إنّ التنشئة الإسلاميّة المعاصرة لا تكتمل جوانبها إلا بالعناية بجوانب الحضارة والسياسة والاجتماع والتاريخ والإنسان"

يلاحظ أنّ ثمة توجهاً متزايداً عند أبناء الطبقة الأرستقراطية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية في الاهتمام بدراسة علوم السياسة والتاريخ والفلسفة والاجتماع وعلى نحوٍ أقل القانون والإعلام. وهذا التوجّه لديهم يظهر قناعتهم بأهميّة هذه العلوم -على وجه التحديد- في بناء الشخصية القيادية، وأثرها في تقدم المجتمعات، وقد استحقت هذه العلوم عندهم اهتماماً أكبر في مطلع القرن الحادي والعشرين، بعد تراجع الاهتمام بها في أواخر القرن العشرين. ويقابل ذلك عزوف عند أبناء العرب والمسلمين في تعلّم هذه العلوم، واتجاه كبير نحو مختلف العلوم التطبيقية والإداريّة، وهذا الاتجاه له مبرراته ودوافعه عند شبابنا.

وتتأكد أهمية هذه العلوم بعد القفزات الهائلة التي أحدثها التطور العلمي في مجال التكنولوجيا؛ خصوصاً في وسائل الاتصالات، وما نتج عنه من سهولة لنشر البيانات والمعلومات. وما أخطر أن لا يرافق هذا التقدم العلمي التقني تقدماً في العلوم الإنسانيّة؛ إذ سيؤثر ذلك على تكوين الإنسان، ودوره، ومنزلته في الكون، كما سيطغى أثر التقدم التقني على سلوك واتجاهات الناس ومهاراتهم، وهذا ما نلحظه في آثار التسارع المتزايد لظاهرة العولمة، وهيمنتها المتنامية، وفي الوقت الذي لن يتوفر دور مقابل موازي للعلوم الإنسانيّة؛ فستبدو الحياة كأنّها واقفة على رجلّ واحدة.

وما نلمسه من توجهات في المجتمع نحو الاهتمام بالعلوم التطبيقيّة نراه في توجهات الدعاة والمصلحين أيضاً، باستثناء استمرار الاهتمام في دراسة علوم الشريعة الإسلاميّة. وإنّ العلوم الإنسانيّة من أحوج ما تكون إليها الأمّة حاضراً؛ إذ تعمل على تفقيهها بأمور حراكها الحضاري، وتدرس المعطيات السياسية والمجتمعيّة على نحوِ علميّ، وتبرز لها جوانب النهوض الفكري والحركي في مسيرتها.

"العلوم الإنسانيّة من أحوج ما تكون إليها الأمّة حاضراً؛ إذ تعمل على تفقيهها بأمور حراكها الحضاري، وتدرس المعطيات السياسية والمجتمعيّة على نحوِ علميّ، وتبرز لها جوانب النهوض الفكري والحركي في مسيرتها"

إنّ التنشئة الإسلاميّة المعاصرة لا تكتمل جوانبها إلا بالعناية بجوانب الحضارة والسياسة والاجتماع والتاريخ والإنسان، والتي تبصرنا بماضي البشريّة في كلّ مظاهرها، وتمكننا من تقييم النشاط الإنساني وفهم تطوره، وتحصننا معرفيّاً وقيّماً، وتجعلنا أمهر في مقاومة الغزو الثقافي. وللثقافة المتينة فعل خاص في تكوين الشخصية وصقلها.

ولقد أنعم الله علينا نحن المتأخرين بنعمة اتّصالنا بتاريخ إسلاميّ ثريٍّ مشرّف، وبماضٍ حضاري سنيٍّ رفيع، وبأمّة عظيمةٍ ننتسب إليها؛ قادت الشرق والغرب أزمنة طويلة من الدّهر، وبرجالٍ كبار علموا الورى عبادة الله بعمارة الأرض والاستخلاف فيها.

وما تاريخ الأمم إلا عقلها الجمعي، ووعاء حركتها، وجمع حضارتها وعلمها وفكرها وإنجازاتها، ولا شك أن لدراسة هذا التاريخ والوقوف على جوانبه المختلفة أبلغ الفائدة في رجاء الاتّعاظ واستبصار سبل العلو والرفعة والانتهال من معين صناعة الحضارة وفن الحياة الكريمة والشّهود على الأمم؛ ولكن المطلوب المرغوب فيه عند التعامل مع التاريخ هو الدراسة والفقه والتعلّم وطول التّأمل وليس الجمود والتباكي واستنساخ حقبة زمنية مضت؛ وتجربة زمانية سبقت.. وشتان شتّان بين الدارس المتفقه وبين المتباكي المتفاخر بما مضى عليه أسلافه، فالأول يروم استئناف مسيره بتبصر واستلهامٍ لما قدمته أمته من نتاج حضاريٍ ومستفيداً من الجوانب الإيجابية والسلبية على حدٍ سواء، والثّاني يلهو بحديث المجد الغابر؛ ولا يعبأ إلا بالتفاخر بانتسابه إلى ذلك الماضي التليد.

"المؤمل من الحركة الإسلاميّة أن يكون لها السبق في العناية بعلوم الإنسانيات من خلال إنشاء الجامعات والمعاهد ومراكز الأبحاث، والتوسع في إصدار الأدبيات الثقافيّة، ورعاية الموهوبين وإطلاق المبادرات"

ونرى –حاليّاً- تراجعاً في حركة التأليف والإبداع عند الدعاة، حتى في علوم وفقه الدعوة والحركة، مع أنّ النّاس في أمس الحاجة للجهد الثقافي المعاصر المنوّع، في ظل هجمات فكريّة متعددة على الإسلام منهجاً، وقدرته على الحكم، ومرونته في التعامل مع المتغيرات والتباينات بين المجتمعات، وقابليته للتعايش مع الآخر، وصلاحيته لكل زمانٍ ومكان، ورد الشبهات التي تكال له جزافاً. وهذا التقصير يتحمله الأفراد والقادة سواء بسواء.

إنّ المؤمل من الحركة الإسلاميّة أن يكون لها السبق في العناية بعلوم الإنسانيات من خلال إنشاء الجامعات والمعاهد ومراكز الأبحاث والدراسات والتعليم المستمر، والتوسع في إصدار الأدبيات الثقافيّة، ورعاية الموهوبين وإطلاق المبادرات المختلفة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
يعمل في مجال الاستشارات الإداريّة، وحاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية ودبلوم عالي في MIS، وشهادتي ماجستير في MIS والعلوم السياسية ودكتوراه إدارة الأعمال. لديه العديد من المؤلفات من أهمها: نحو فهم لظاهرة التعلق بين المربي والمتربي، رسالة في الطريق إلى دعوتنا، الموجز الميسر في ثقافة دعاة العصر، مصادر القوة والتميّز عند الداعية، الابتسامة وأثرها في عمل الداعية. له الكثير من الأبحاث والمقالات السياسية والفكرية والتربوية والدعوية.

شاهد أيضاً

“وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ”.. ما “الطريقة”؟ وكيف نستقيم عليها؟

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا} [سُورة "الجن" …