الفتيان الأبابيل وسنن التدافع

الرئيسية » ملفات خاصة » انتفاضة القدس » الفتيان الأبابيل وسنن التدافع
انتفاضة811

الخطاب الذي نقوم بالحديث فيه هو خطاب ينطلق من داخل الفهم الديني والاعتقاد السنني في كتاب الله تعالى وينظر لها من خلال الواقع، إذ إن المسلم في هذا النظام الوجودي يسعى إلى التعامل مع كتاب الله المنظور وكتاب الله المسطور وسبر النظر في التفاعل بين القاعدة (الوحي) والتطبيق (الوجود) لفهم منهج النظر السنني في القرآن الكريم.

والمنطلقات التي ينطلق فيها المرء المسلم للنظر اتجاهات ثلاثة على أقل تقدير. النظر عبر الميراث المكاني لاستكمال متطلبات الاستخلاف في البناء العمراني {قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} [الأنعام:11]. والتأمل الزماني لسنن الإله السارية في حياة الإنسان القائمة في الآن (السنن الاجتماعية) بين الإخبار الصريح، من {غلبت الروم} إلى فساد بني إسرائيل {لتفسدن في الأرض مرتين} والإخبار المنهجي السنن {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس}. والثالثة السنن الناظمة لحركة الكون والأفلاك والوجود المادي {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم}.

وفي ضوء منهاج النظر الثلاث يستطيع الإنسان النظر إلى كليات الوجود والأنا، محور الانطلاق من الغيب (الوحي) إلى عالم الشهادة لقراءة السنن الوجودية والاجتماعية والعكس صحيح من كتاب الله المنظور إلى كتاب الله المسطور وهكذا نحو التكامل في بناء عالم الشهادة.

سنن التدافع والمساجد

"ما يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات أنه مخلوق أخلاقي رمزي، يعيش على المعاني وأعماقها والرموز وأبعادها"

لا شك أن العبادة هي مكان تستودع فيها الروح طمأنينتها، وأن المسجد "دار العبادة" يشكل نقطة أمان اجتماعي للحياة العامة، والعلاقة بين الأماكن التعبدية وقيم الأمن ورموزها ومعانيها علاقة عضوية عبر عنها عبد المطلب بمقولته المشهورة للبيت "ربٌّ يحميه" كانت على موعد مع الأقدار لتعميق معاني راسخة في الوجدان الجاهلي، وهي بهذا المعنى محور رئيس في حياة الإنسان بشكل عام والمؤمن بشكل خاص.

ويعد الاعتداء على الأماكن التعبدية مثيراً لحفيظة النفس الإنسانية والسنة الكونية، وفي ضوء هذا تفنى النفس من أجل الحفاظ عليه، علماً أن الإنسان المسلم في الاعتقاد الإسلامي أغلى من الكعبة ذاتها من حيث البناء إلا أن التفاني في حماية المقدس هو ما يحيا لأجله الإنسان؛ إذ إن ما يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات أنه مخلوق أخلاقي رمزي، يعيش على المعاني وأعماقها والرموز وأبعادها.

الانتفاضة التي نشهدها اليوم تعد إحدى هذه المعاني في العلاقة الكامنة بين المسجد والإيمان، فهو رمز آياته، وهو مكان للتضحية من أجل الحفاظ عليه.

وفي ضوء هذا تنشئ علاقة حميمة في قانون التدافع السنن والتكوين الاجتماعي في بناء الحياة القيمية التي اعتقد الصهاينة أنها ذابت لسببين، هما: آلة القمع الأمني لدى أجهزة السلطة في البعد الاقتصادي والاجتماعي، وفتح المغريات الملذاتية الشهوانية عبر الوسائل التقنية وبرامج العولمة التذويبية للهوية الفطرية في طرق الاتصال الحياتي والاجتماعي، وإغراءات الهجرة، وشراء المنازل المغري، الخ.

المفاجأة التي كانت بالمرصاد هي عدم إدراك الغرب بشكل عام والصهاينة لقوانين التدافع الإنساني لأنها مرتبطة بالمادية الجدلية، والكامنة في قوله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً} [الحج:17]. وأن الحقيقة المطلقة في أن وصول نقطة الإفساد إلى المسجد هي نقطة لتحرك عامل التدافع السنني، وأن التدافع في الأرض قائم على التدافع الإنساني قائم على دفع الفساد في قوله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} في ضوء فساد بني إسرائيل الثاني في الأرض فإنه كان من الطبيعي أن تتحرك النفوس نحو الدفاع عن مقدساتها وأن يصبح فتية آمنوا بربهم سكاكين أبابيل تقض مضاجع الصهاينة.

كل المعركة التي يشهدها المجتمع اليوم هي معركة تدور حول المسجد، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، والتدافع الرمزي هو بين الشخصية اليهودية الفاسدة في التناول القرآني وسنن التدافع الإلهي، هذه الشخصية الذي بدأ يظهر عفنها مع إحراق منبر صلاح الدين تم دفعه وإيقافه سياسياً وفي حينه تم إنشاء منظمة مؤتمر العالم الإسلامي يوم أن كانت المسؤوليات قومية، ويوم أن وصل إليها الفساد الشاروني كان التدافع وطنيا يوم أن تخلت الدول العربية عن مسؤولياتها تجاه بيت المقدس، ومع تخلي كل النظم القومية والوطنية عن الهوية المقدسية كان فتيان أبابيل في عين سنن التدافع، وفعلت ما لم تفعله كل الجهود السابقة، أمام الشخصية المفسدة التي تجمع شتات رذائل النفس البشرية وصولاً إلى الجبن والحرص على الحياة لتظهر الدولة اليهودية هشة أمام حركة فتية آمنوا بربهم وحفاظاً على الهوية ونقائها.

"ما يتميز به الاحتلال الصهيوني عن غيره من الاحتلالات السابقة أنه يستهدف الوجود والهوية للمسجد، في حين كانت الاحتلالات السابقة تستهدف الإنسان والأرض في إطار الهيمنة عليهما"

ما يتميز به الاحتلال الصهيوني عن غيره من الاحتلالات السابقة أنه يستهدف الوجود والهوية للمسجد، في حين كانت الاحتلالات السابقة تستهدف الإنسان والأرض في إطار الهيمنة عليهما، في حين أن الإفساد الصهيوني يستهدف الهوية والحضارة الكامنة في المسجد.

اليهود تركوا كل القيم السياسية والعلمانية المدنية وكان المحرك هو الهوية الدينية، ولذلك عليهم أن يتحملوا النتائج في معاداة الفطرة الإلهية والدينية والنفس البشرية المرابطة على الأرض؛ إذ إن المشاريع السياسية كانت كفيلة بتدجين المجتمع وتأطيره وقهره، إلا أنها انفجرت عندما بدأت تدور حول المسجد وطالت رقعاً جغرافية لم تكن بالحسبان.

ظاهرة الاستشهاديين كانت وما زالت إحدى إشكالات علم النفس الحديث التي حاولت تفسير الظاهرة بأنه هروب من المأزق المعيشي والحياتي للمجاهدين والذي تبين خلافه تماماً، اليوم هذه الإشكالية تعقدت مع فشل برامج التذويب والقمع والتغريب، وما لا تستطيع نظريات علم النفس تفسيره وتقف عاجزة أمامه، هو: كيف يمكن لشاب ليس له أي انتماء سياسي أو ارتباط عقائدي يقوم بتحولات جذرية في حياته من أجل قضايا كبرى يُبْذَلُ من أجل تذويبها الكثير من المشاريع السياسية والبرامج التفريغية في بناء الهوية الملذاتية، اليوم تقف نظريات علم النفس الاجتماعي عاجزة كما هي نظريات التنسيق الأمني وامتدادها في ربوع الجغرافيا التاريخية لفلسطين لتشمل بيت المقدس وأكنافه المباركة. سيبقى اليهود يسامون سوء العذاب إلى أن يأتي جيل شد الرحال إليه لتحقيق وعد الله بدخول المسجد برجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.

الحقيقة الفطرية القائمة الغير قابلة للتفسير هي أن هناك فتياناً أبابيل باتوا يحققون وعد الله في سوم بني صهيون سوء العذاب ويقومون بالذود عن حياض المسلمين، وأخذ مكانهم الزماني في العودة إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها فلا تبديل لكلمات الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلاً.

إن ما تشهده حركة الاعتداء على المقدس الإسلامي والإنساني هو اعتداء على فطرة الحياة والحق التي فطر الناس عليها، وبين اعتقاد كل بصحة توجهاته والتفاني من أجلها يكون الشباب المسلم اليوم قد بدأ يخط طريقه نحو اتباع السنن الفطرية والاجتماعية التي كانت محل رهان الباطل وبرامجه الزاهقة من أجل تذويبها، والتدافع السنني كفيل بحفظها والاستشهاد من أجل معاني السكينة والطمأنينة لمرابطاتنا قائم إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

التفكير الفعّال من خلال الرياضيات

يسلط هذا المقال بعض طرق التفكير الفعّال باستخدام الرياضيات، وهو خلاصة تدريب قدمته منصة إدراك …