انتفاضة القدس والهزيمة النفسية للعدو الصهيوني

الرئيسية » ملفات خاصة » انتفاضة القدس » انتفاضة القدس والهزيمة النفسية للعدو الصهيوني
الاحتلال 2

فتوى موقع عليها من مائة حاخام "تحرِّم" على اليهود الدخول إلى الحرم القدسي الشريف.. بيان لليهود الحريديم يتبرؤون فيه من اقتحامات المستوطنين وقوات الاحتلال للمسجد الأقصى.. نتنياهو يزيل القيود على وصول المسلمين للأقصى ويدعو وزراءه إلى عدم الذهاب ويسحب قانون يهودية الدولة من نقاشات الحكومة.

هذا كان بعض غيضٍ من فيض ملامح أهم نتيجة حققتها الانتفاضة الفلسطينية حتى الآن، وهي تحقيق الهزيمة النفسية لدى الصهاينة، وهو ما تجسد بالفعل في نتائج على أرض الواقع، تتمثل في سلسلة من القرارات والمواقف التي تبناها رئيس حكومة دولة الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، متعلقة بالوضع القائم داخل الحرم القدسي الشريف.

"أبلغ شهادة على نجاح الانتفاضة، هو الحالة التي وصل إليها المجتمع الصهيوني بنخبته، حتى السياسية والعسكرية؛ حيث الواقع يعكس هزيمة نفسية حقيقية"

ومهما كان الموقف السياسي العربي والفلسطيني الرسمي المخزي من الانتفاضة، ومهما كان حديث المرجفين في المدينة؛ فإن أبلغ شهادة على نجاحها، هو الحالة التي وصل إليها المجتمع الصهيوني بنخبته، حتى السياسية والعسكرية؛ حيث الواقع يعكس هزيمة نفسية حقيقية، كما تبدو من واقع الصحافة العبرية؛ حيث التعبيرات المستخدمة تشير إلى أن دولة الاحتلال تمر بمرحلة مظلمة بالفعل من تاريخها القصير.

ونختار هنا فقرة فقط من تقدير موقف كتبه جاي بيخور، محرر الشؤون العربية في اليديعوت أحرونوت، كبرى صحف "الاحتلال" انتشارًا؛ حيث يقول إن "الحجر الفلسطيني الموجه نحو الصهاينة، قد يتحول إلى كرة ثلج ضخمة، من خلال الصورة التي تنقلها بعض وسائل الإعلام العبرية، التي تبدو علامات الارتباك واضحة على تغطيتهم للأحداث، فيما يرتفع صراخ الصهاينة، وتزداد معها حالات الاضطراب، ليكون مستوى تأثير الأحداث أكبر بكثير، خصوصًا مع وصول المعلومات والمشاهد إلى كل منزل في فلسطين المحتلة".

كما ينتقد بيخور عجز حكومته عن مواجهة الانتفاضة والعمليات العفوية للشباب الفلسطيني، والتي حركت العالم كله؛ حيث يقول إن الحكومة الصهيونية منشغلة عن التأثير العام لهذه الأحداث على الوضع الاقتصادي والسياسي في دولة الاحتلال، فضلاً عن عدد القتلى "الأمر الذي يجعل مجموعة صغيرة من الفلسطينيين تتحكم بأمن الكيان الصهيوني، وفقدان الصهاينة الثقة بالسلطات الصهيونية".

لا يخفي بيخور استياءه من وسائل الإعلام الصهيونية، وخصوصًا الإلكترونية، لأنها بحسبه وصلت في مستوى نقلها لأحداث الانتفاضة وتداعياتها إلى حد أن قامت بدور كبير جدًّا في نشر "فيروس" الخوف بين ملايين "الصهاينة"، مشيرًا إلى ان المشاهد المصورة "تكفي لنشر الخوف، وينطوي بثها بشكل متواصل، على تأثير نفسي خطير ومدمر"!

الخبير الأمني الصهيوني آري شبيط، كتب في الهآرتس، تحت عنوان "(إسرائيل) تفقد توازنها النفسي والأخلاقي"، يقول عن الانتفاضة: "حتى لو تراجعت موجة العنف الحالية؛ فإن المرحلة الظلامية القادمة ليست بعيدة، لا يمكن معرفة متى، وأين وكيف ستضربنا الكارثة، لكن الكارثة لا يمكن منعها، فبعد أن دمر الصهاينة الصهيونية، وبعد أن زعزع القوميون المتطرفون الدولة القومية؛ أصبحنا قريبين جدًّا من نقطة اللاعودة".

أما دومينيك مواسي، البروفيسور في معهد العلوم السياسية في باريس وكبير مستشاري المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، فيقول في اليديعوت أحرونوت، تحت عنوان "الاحتلال يضعضع الأسس السياسية والأخلاقية لـ (إسرائيل)"، إن الاحتلال والميل المستمر نحو اليمين السياسي يدمر الأساس السياسي والاخلاقي له، وجعلت رئيس الوزراء رهينة في أيدي قوى أكثر تطرفًا منه، ويرى أن ذلك يهدد وجود الكيان الصهيوني ذاته.

والكثير من مقالات الكُتَّاب الصهاينة، ومنهم الكثيرون كانوا في أجهزة الأمن وأسلحة الجيش المختلفة، تعبر عن هذه الصورة التشاؤمية، ويرون أن القادم أسوأ.

والمتأمل في واقع حال الشارع الصهيوني، سوف يلمس هذه الحالة من الفزع، فالشوارع خاوية، حتى في تل أبيب، ومئات الآلاف من قطع السلاح الناري وغير الناري تتدفق في أيدي الصهاينة، وأكثر من مرة قامت قوات الاحتلال بقتل مستوطنين و"مواطنين" يهود في الدولة العبرية، بالخطأ، كما في حالة عملية بئر السبع، بسبب الأعصاب المشدودة، بينما يخاف الطلاب من الذهاب إلى المدارس "لأن الطريق مليئة بالعرب"، كما ذكرت المعاريف، والتي نقلت عن أحد المستوطنين أنه "أصبح من المرعب العيش في مدينة القدس"!

وطالعوا أرقام زائري العيادات النفسية، وحالات الهلع التي تحدث بعد كل عملية طعن، ولسوف نفهم حقيقة تأثيرات الانتفاضة في هذا الجانب.

"أسوأ مظاهر الهزيمة النفسية داخل المجتمع الصهيوني، هو إحساسهم بفشل جيش الاحتلال أمام شباب وأطفال الحجارة والسكاكين، بما أدى إلى توصيفهم للوضع بأنه خطر وجودي"

أما أسوأ مظاهر الهزيمة النفسية داخل المجتمع الصهيوني، هو إحساسهم بفشل جيش الاحتلال أمام شباب وأطفال الحجارة والسكاكين، بما أدى إلى توصيفهم للوضع بأنه "خطر وجودي" على الكيان الصهيوني.

ولمن لا يعرف؛ فإن ثقة الصهاينة في مناعة جيشهم؛ يعني أمانهم النفسي من دون أدنى مبالغة، فالجيش الصهيوني هو أساس الدولة والمجتمع، وهو فخر الصهاينة، ومحور ثقتهم في البقاء على الأرض التي يعلمون أنهم اغتصبوها من أصحابها الحقيقيين.

وطيلة تاريخ الدولة العبرية كان الجيش هو محور أماني وتطلعات "الشعب اليهودي"، ولذلك دائمًا ما توصف دولة الاحتلال بأنها جيش له دولة، وليست دولة لها جيش.

لذلك؛ فإن زعزعة هذه الثقة في أهم مرتكز من مرتكزات وجود الدولة العبرية ذاته، يعني تدميرًا كاملاً للأمان النفسي للصهاينة، وثقتهم في بقائهم ذاته؛ باعتبار أن الجيش الصهيوني هو الدولة وهو المشروع، والحامي الأول للكيان.

إن هذه النقاط لتوضح الكثير، وأهم ما توضحه، هو أنه من الممكن هزيمة الكيان الصهيوني، وأنه ليس هذا الكيان المنيع الذي تدعيه، وأنه بالفعل عبارة عن ظاهرة سياسية صنعتها قوى دولية، واكتسبت مناعتها من ضعف الأنظمة الحاكمة في عالمنا العربي، وأنه متى تركت الأمور في أيدي الشعوب؛ فإن الصورة سوف تتغير تمامًا.

كما أنها ترد على المرجفين والمحدثين في العالم العربي، والذين يزعمون أن الانتفاضة لا داعي لها، ولا تأثير؛ إلا أن الصور والأرقام تثبت أن الإيمان، مع إعداد العدة، مهما كان ضعفها؛ يقوم بفعل ألف جيش من جيوش العجز العربي، وتتجاوز أسوار أي تنسيق أمني مع الكيان الصهيوني!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع “بصائر”، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة “القدس” الشهرية، التي تصدر عن “مركز الإعلام العربي” بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: “أمتنا بين مرحلتين”، و”دولة على المنحدر”، و”الدولة في العمران في الإسلام”.

شاهد أيضاً

الحركة الإسلامية وقيادتها بين أهل الثقة وأهل الكفاءة

الحركة الإسلامية: تجمّع بشري يهدف إلى تطبيق الفكرة الإسلامية بكل أبعادها في واقع الناس وحياتهم، …