تخذيل باسم العقلانية

الرئيسية » ملفات خاصة » انتفاضة القدس » تخذيل باسم العقلانية
لمى خاطر

في خضمّ أحاديث الانتفاضة وتحليلاتها والجدل الدائر حول بعض مظاهرها كان من الطبيعي أن يتم تناول مختلف تفاصيلها وجزئياتها، خصوصاً في ظلّ انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، ووجود قطاع كبير من الجمهور يفرّغ مشاعره على هذه المواقع وليس في ميدان المواجهة، بل يظنّ أن مهمّته تنحصر في التوجيه والتنظير وليس الفعل على أرض الواقع أو المشاركة فيه، في حدوده الدنيا على الأقل.

ولعل مشاركة المرأة في الانتفاضة، وكثافة عمليات الطعن كانتا أكثر ظاهرتين شغلتا الجمهور، وهو أمر طبيعي، لكن غير الطبيعي هو اتجاه بعض النخب وجزء من عامة الجمهور للترويج لأفكار مضادة لمبدأ للقضيتين، من باب العقلانية والحكمة وغيرهما من مرادفات تصلح في جوهرها لأن تكون تعريفاً للتخذيل وليس للواقعية.

إذ لا أحد يملك أن يحدد للمرأة دوراً معيناً في إطار أية حالة كفاحية، أو يقيّده بهواه وما قد يرتضيه هو للمرأة في محيطه، والمرأة التي اختارت حمل السكين ومواجهة عدوّها بجرأة نادرة هي في أعلى مرتبة من مراتب الإقدام، لأن للتضحية بالنفس قيمة عظيمة في ميزان السماء، بغض النظر عن الاعتبارات الأرضية القاصرة، ودور المرأة الجهادي هنا لا يلغي أولوياتها الأخرى في الحياة، مثلما أنه لا يعني أنه مطلوب من كل النساء أن يجاهدن بالسلاح، لكنه يتطلب قبل كل شيء تقدير وتعظيم هذا الدور لمن امتلكت عزيمة أهّلتها لحمل السلاح وقتال عدوّها، بغض النظر عن نوع هذا السلاح، لكن تلك الوصاية التي تمارس على المرأة ودورها الجهادي لا تصدر إلا عن معتنقي شريعة العادات والتقاليد، ومن لا يزالون أسرى أفكار رثّة ورثوها عن أجدادهم، وهي أفكار لا ترى في المرأة أكثر من مجرد متاع للرجل ودائرة في فلكه ومرتهنة لنظرته وعقليته وتصوراته، أو تراها عورة في كلّ أحوالها ينبغي حجبها حتى لو امتلكت تصريحاً شرعياً للمشاركة في الجهاد أو العمل العام، ويا ليت من يشنّع على المرأة مثل هذا الدور قد أدّى دوره كرجل مكلّف في قتال عدوّه والذود عن الحرمات!.

الأمر ذاته ينسحب على من يشنّعون على عمليات الطعن ويرونها باباً للهلاك، وكأن هناك وفرةً في السلاح والعتاد والرجال، بحيث يمكن الاستغناء عن هذا الشكل البدائي في مجابهة المحتل لضمان استمرار الانتفاضة. وكأنه خلال عقود الاحتلال الطويلة لم يُقتل رجال ونساء بالآلاف في مجازر كثيرة ودون مواجهة مع عدوّهم.

إن مناقشة جدوى مختلف الأشكال النضالية أمر طبيعي، لكن غير الطبيعي أن يصل الحال ببعض المنظّرين إلى إنكار المبدأ والتشكيك بجدوى الفعل الجهادي وربطه بالخسارة المادية الدنيوية، واستحضار العقلانية في مواجهة الإقدام، والحكمة في مواجهة الشجاعة، فيغدو في عرفهم الإقدام اندفاعاً والشجاعة تهوّراً. وغني عن القول مدى إسهام ذلك الجدل البارد في تخذيل المجتمع وتعزيز حالة القعود والنكوص واللامبالاة، والالتفات إلى الذات وجعل الحفاظ عليها من الأذى غايةً كبرى تستحقّ تعطيل قيم الجهاد والتضحية، وتجاهل حالة الاحتلال وما يتطلبه من مواجهة ومقاومة، فرْضاً لا ترفاً، وأمراً ربانياً لا جدليات بشرية مائعة!.

يفترض في المرء حين يناقش فكرة عظيمة كفكرة التضحية ألا يعرضها على طاقته وهواه قبل إخراجها، بل على الأصل وما يجب أن يكون عليه الحال، لكنّ كثيراً من الناس صارت تعبد هواها وتكيف آراءها بناءً على هذا الهوى، ورحم الله الشافعي الذي قال: "إذا حار أمرُك في معنيَيْن.. ولم تدرِ فيما الخطأ والصواب، فخالف هواكَ فإن الهوى.. يقودُ النفوسَ إلى ما يُعاب". فكما أن النفس أمّارة بالسوء، فهي كذلك أمّارة بالقعود والتخاذل، وتزيين ذلك لمن يرتضيهما. وإن مناقشة جدوى أي فعل بهدف التطور شيء، والتشنيع على المبدأ نفسه وعلى الذين اصطفاهم الله بتضحياتهم شيء آخر. هناك أناس تعوزهم الشجاعة وهذا طبيعي لأن الناس متفاوتون في عزائمهم، لكن هؤلاء عليهم أن يعرفوا قدر أنفسهم وامتياز الرجال الحقيقيين عليهم، لا أن يحاولوا تقديم ذواتهم على أنها الصفوة فهماً وسلوكاً.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • صحيفة فلسطين
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الانقلاب التونسي والمستفاد من سقوط آخر الأوهام!

ارتاح كثيرون لفوز قيس سعيد بالانتخابات الرئاسية التونسية، حينما كان خصمه في تلك الانتخابات نبيل …