دروس وعِبَر حركية وسياسية من الانتخابات التركية

الرئيسية » بصائر الفكر » دروس وعِبَر حركية وسياسية من الانتخابات التركية
تركيا8
تواجه تركيا الإسلامية التوجه ذات المؤامرة التي تمت على ثورات الربيع العربي، وعلى أنظمة الحكم الوليدة فيها.

لا يمكن بحال من الأحوال حصر الدروس المستفادة من الانتخابات الأخيرة التي جرت في تركيا، أو بمعنى أدق بالكيفية التي أدار بها حزب العدالة والتنمية الحاكم، الموقف، بعد تراجعه –بعدم الحصول على الأغلبية- في انتخابات حزيران/ يونيو الماضي، إلا أنه من الأهمية بمكان أن نقف على مجموعة من الأمور التي تُعتبر بمثابة دروس حركية وسياسية، نراها شديدة الأهمية بالنسبة للحركة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، خصوصًا بلدان الربيع العربي التي شهدت مشكلات أمنية وسياسية كبرى، بسبب حروب الردة الثورية التي شهدتها، للإطاحة بالإسلاميين الذين أخذتهم الجماهير لمقاعد الحكم.

شهدت المرحلة التي تلت الارتكاسات على الربيع العربي، كما في مصر، العديد من الأخطاء ومعالم سوء إدارة المرحلة، على مستوى الحركة الإسلامية، ويعود بعضها إلى مخطط هائل شاركت فيه قوى كبرى إقليميًّا وعظمى على المستوى الدولي، بجانب قوى الفساد والاستبداد الحاكمة، ومن الأهمية بمكان التدبر فيما قامت به القيادة السياسية والتنظيمية لحزب العدالة والتنمية، لكي تستطيع، في ظل تحديات أمنية وسياسية ضخمة، داخلية وخارجية، إقليمية ودولية، أن تحقق هذا الفوز العريض، الذي أدهش كل المراقبين، وخالف كل التوقعات.

ولا عذر للحركة الإسلامية في مصر وبلدان الربيع العربي، في عدم القيام بذلك؛ فتركيا الإسلامية التوجه، تواجه ذات المؤامرة التي تمت على ثورات الربيع العربي، وعلى أنظمة الحكم الوليدة فيها.

ولسنا هنا في معرض رصد معالم هذه المؤامرة، وهذه التحديات؛ حيث المهم هو الاستقرار على مبدأ أهمية الاستفادة من الدروس السياسية والحركية القائمة في تجربة الانتخابات التركية الأخيرة.

"التمتع بأقصى درجات المرونة السياسية والحركية، وهذا الأمر يمكن تحقيقه من دون تجاوز الثوابت والضوابط الشرعية والقيمية"

أول المعالم المهمة التي ينبغي التأكيد عليها، هو ضرورة التمتع بأقصى درجات المرونة السياسية والحركية، وهذا الأمر يمكن تحقيقه من دون تجاوز الثوابت والضوابط الشرعية والقيمية.

فبينما كان العدالة والتنمية يخوض معركته هذه، كانت القرارات الرسمية تتوالى ضمن استراتيجية الحزب الأساسية لأجل استعادة هوية تركيا الإسلامية، مثل إصدار قرار تعليم اللغة العربية في المناهج الابتدائية، بدءًا من العام الدراسي المقبل، 2016/2017م، وتنظيم دروس تحفيظ القرآن الكريم، في إطار مؤسسي، وغير ذلك من الأمور.

المرونة بدت في عدد من الأمور التنظيمية، والمتعلقة باستعادة بعض الدوائر المهمة التي خسرها الحزب في انتخابات حزيران/يونيو الماضي، على رأسها تغيير قرارات أخذتها قيادة الحزب، وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هو الباعث وراءها منذ مطلع العام، ومن بينها استبعاد عناصر مهمة من ترشيحات الحزب.

تم استعادة هذه العناصر، بالرغم من أن أردوغان نفسه هو الذي وجه باستبعادها لاعتبارات تتعلق بتجديد الوجوه وتحقيق التوازن بين الجيل الصاعد والجيل القديم داخل الحزب، ولكن لما ثبت خطأ هذه السياسة؛ تم التراجع عنها.

كذلك أخذت قيادة الحزب قراراً مباشراً بقبول بعض المنشقين عن حزب الحركة القومية، وأنزلوهم في دوائرهم، وفازوا فيها باسم العدالة والتنمية.
كان لهذه الإجراءات أبلغ الأثر المباشر في تحسين فرص الحزب في دوائر كانت مغلقة أمامه أصلاً، وكلا الأمرَيْن يشيران إلى، لن أقول إلى براجماتية، ولكن على الأقل إلى إطار تنظيمي سليم يتعامل مع الواقع من دون حساسيات، وهي أمور تفتقدها بعض الأطر التنظيمية أو الحركية داخل الحركة الإسلامية في بعض دول العالم العربي في وقتنا الراهن.

الملحظ الثاني والمهم، هو أن خطة الحركة والتعامل مع الأزمة التي أظهرتها انتخابات حزيران/ يونيو، تمت من اللحظة التالية لإعلان النتيجة؛ حيث بدأت قيادة الحزب في سلسلة من الإجراءات، من بينها استطلاع رأي القواعد الشعبية، ودراسة اتجاهات التصويت في الدوائر التي خسرها، وأسباب ذلك، وتعويض الإجراءات الخاطئة وغير الفعالة التي أخذها الحزب، بأخرى تضمن تحقيق الهدف المنشود.

الملحظ أو الدرس الثالث، يتعلق بكيفية توزيع الاهتمام والجهد، والعمل تحت الضغط، وعدم ترك الأزمات لتتفاعل، بسبب إعطاء أولوية لملفات على حساب ملفات أخرى.

"الركن الأهم في الانتصار هو امتلاك حزب العدالة والتنمية لمؤسسات قادرة على تصحيح مساره، ولذلك عمل الحزب على إجراء مراجعات فورية لمساره بعد تنبيه الناخبين له عبر تصويتهم لمنافسيه في الانتخابات الماضية"

فكان المدهش بالفعل أن الحزب على المستوى الداخلي، قد قاد سفينة الانتخابات وإعادة تصحيح المسار، بينما كان يقود الحكومة ويواجه مخاطر أمنية وسياسية عديدة، وصلت إلى مستوى الحرب المباشرة في جنوب شرق تركيا وفي شمال سوريا والعراق، ضد تنظيم "داعش"، وضد حزب العمال الكردستاني.

كذلك وقف – كحزب حاكم – في مواجهة استحقاقات وضغوط عدة مع أوروبا والولايات المتحدة ودول الإقليم، فيما يتعلق بأكثر من أزمة، على رأسها التدخل الروسي في سوريا، واتساع نطاق العنف في الأزمة السورية، والذي قاد إلى موجات هجرة غير مسبوقة إلى تركيا ثم عبر البوابة التركية إلى أوروبا، مما عرض تركيا إلى ضغوط أوروبية عدة لوقف هذا الزحف البشري الذي هدد اتفاقية "شنجن" الخاصة بحرية الانتقال بين دول من الاتحاد الأوروبي.

وهذا أمر شديد الأهمية؛ حيث إن خصوم العدالة والتنمية، والتجربة التركية بشكل عام، كانوا ينتظرون ذلك الخطأ من أوغلو ورفاقه في الحكومة المؤقتة؛ أن يفردوا اهتمامهم وأولوياتهم للحزب والانتخابات، وترك أزمات الدولة تتفاعل، حينها كان هؤلاء الخصوم سوف يتمكنون بسهولة من الحزب، ويستطيعون ضرب مصداقيته وروحه الوطنية في الصميم، لدى جمهور الناخبين.

لماذا انتصر العدالة والتنمية؟

بعد فضل الله سبحانه وتعالى، اعتمد الحزب في تحقيق هذا الانتصار المؤزَّر، على استراتيجية ناجحة، من عدة أركان، في التعامل مع تلك الاستحقاقات جميعًا، اعتمادًا على ركيزتَيْن أساسيتَيْن، الأول: جماهيريته التي حققتها إنجازاته عبر 12 عامًا من العمل المتواصل، ولاسيما في المجال الاقتصادي والتنموي، والثانية تأصُّل قيم الديمقراطية عند الشعب التركي، وهو ما يحول دون تزوير الانتخابات، أو الدخول في معارك غير قانونية، مهما كانت الخصومة السياسية بين الأحزاب.

ومن بين أركان هذه الاستراتيجية، اعتماد الحزب على لغة المصالح الأمنية والاقتصادية والتنموية التي يحققها للشعب التركي، بعيدًا عن الشعارات، وعدم طرح الحزب لخطط وبرامج غير واقعية.

أما الركن الأهم، فهو امتلاك حزب العدالة والتنمية لمؤسسات قادرة على تصحيح مساره، ولذلك عمل الحزب على إجراء مراجعات فورية لمساره بعد تنبيه الناخبين له عبر تصويتهم لمنافسيه في الانتخابات الماضية.

كما لعب حزب العدالة والتنمية على خيارين مهمين، الأول: المحافظة على بقاء الأكراد في دائرة العمل السياسي ودخولهم البرلمان كما حدث في الانتخابات السابقة من خلال حزب الشعوب الذي تجاوز العتبة البرلمانية بالكاد هذه المرة، الثاني: الحرص على الفوز بأصوات بعض الناخبين الأكراد والقوميين والإسلاميين، لزيادة نسبته عن الانتخابات السابقة.

أضف إلى ذلك عوامل لا تخص الحزب، ولكن كان لها أبلغ الأثر فيما جرى، مثل تغيُّر قناعات الشعب التركي بعدما رأى أن تربص الأحزاب الأخرى بالعدالة والتنمية لمجرد تنحيته، من دون أن تقدم أي مشروع بديل مقنع سوى الفوضى العارمة، ولذلك كان التصويت للاستقرار كما قال أردوغان.

تبعات ما جرى..

"سيكون للانتصار بالصورة التي تحققت، تأثيراً على الخريطة الإقليمية، ومنها تحسين موقف اللاجئين السوريين، ودعم الموقف السياسي للمقاومة في فلسطين"

بكل تأكيد؛ فإن ما جرى له ما بعده، وما بعده القوي العميق أيضًا، وعلى رأس ذلك تدعيم المشروع الذي يقوده أردوغان لاستعادة هوية تركيا الإسلامية كما تقدم.

ويدعم من ذلك كشف وسائل الإعلام الصهيونية والغربية، وبعض وسائل الإعلام العربية المعروفة بانتمائها للأنظمة المستبدة الحاكمة التي ثارت عليها الشعوب، عن حقيقة موقفها من تركيا وأردوغان، وهو ما يرجح كفَّته لدى الجمهور العربي والإسلامي، وبالتالي يدعم مشروعه سياسيًّا ومعنويًّا.

كذلك سيكون للانتصار بالصورة التي تحققت، تأثيراً على الخريطة الإقليمية، وأول معالم ذلك، هو تمتين التحالف السُّنِّي مع السعودية وقطر، في مواجهة إيران، وتحسين موقف اللاجئين السوريين، والضغط على النظام المجرم في دمشق، ودعم الموقف السياسي للمقاومة في فلسطين.

أضف إلى ذلك تحسين موقف مشروع الإسلام السياسي وحركاته في المنطقة لدى الشعوب، في مواجهة حالة اليأس النفسي وتشويش الأنظمة، وممارسة المزيد من الضغوط على الأنظمة المستبدة في العالم العربي، ودعم مشروع التغيير فيها.

وفي الأخير؛ فإن الحركة الإسلامية في عالمنا العربي والإسلامي مطالبةً بأن تبذل كل ما بوسعها لأجل دراسة هذه الأمور بالعمق الكافي؛ حيث سيكون لذلك أبلغ الأثر في تحسين مستوى أدائها في مختلف الاتجاهات، التنظيمية والسياسية والإعلامية، وهو ما سوف يصب تلقائيًّا في مصلحة المشروع الإسلامي الحضاري ككل.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع “بصائر”، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة “القدس” الشهرية، التي تصدر عن “مركز الإعلام العربي” بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: “أمتنا بين مرحلتين”، و”دولة على المنحدر”، و”الدولة في العمران في الإسلام”.

شاهد أيضاً

الحركة الإسلامية وقيادتها بين أهل الثقة وأهل الكفاءة

الحركة الإسلامية: تجمّع بشري يهدف إلى تطبيق الفكرة الإسلامية بكل أبعادها في واقع الناس وحياتهم، …