فتّش عن سِمَاتِ الرّواحل!

الرئيسية » خواطر تربوية » فتّش عن سِمَاتِ الرّواحل!
hijera

في الأمنية العُمريّة المعروفة تمنّى الفاروق عمرُ رضي الله عنه أن يكون  له ملء البيت رجالٌ من أمثال أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، ليستعملهم في طاعة الله؛ رجالٌ لهم سماتٌ خاصّة، أمَّا أبو عبيدة بن الجرّاح فأمين هذه الأمَّة لم يتخلف عن غزوة غزاها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقد شهد المشاهد كلّها، وكانت له مواقف عظيمة في البطولة والتضحية، وأمَّا معاذ بن جبل، فهو أعلم الأمَّة بالحلال والحرام، شهد بدرًا والمشاهد كلّها مع الرّسول محمَّد صلّى الله عليه وسلّم، وأمَّا حذيفة بن اليمان، حافظ سرّ رسول الله عليه الصّلاة والسّلام، شارك في جميع الغزوات عدا بدر، حيث كان في سفر ولم يسمح له الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بالمشاركة.

يقول د. القرضاوي: (إنَّ الأمم والرّسالات تحتاج إلى المعادن المذخورة، والثروات المنشورة، ولكنها تحتاج قبل ذلك إلى الرؤوس المفكرة التي تستغلها، والقلوب الكبيرة التي ترعاها والعزائم القوية التي تنفذها: إنّها تحتاج إلى الرّجال).

في الأمنية العمرية اختار نوعية متميّزة من الرّجال لها صفات محدّدة وسمات متميّزة، لو بحثنا في تراجمها المبثوثة في كتب التاريخ والسير والتراجم لاستخلصنا الدروس في إعداد الرّجال الذي يحملون الأمانة ويعيدون أمجاد الأمَّة، ذلك أنَّ الدنيا لم ترَ الرجولة في أجلى صورها وأكمل معانيها كما رأتها في تلك النماذج الكريمة التي صنعها الإسلام على يد رسوله العظيم، من رجال يكثرون عند الفزع، ويقلّون عند الطمع لا يغريهم الوعد ولا يلينهم الوعيد، لا يغرّهم النصر، ولا تحطمهم الهزيمة.

"د. القرضاوي: إنَّ الأمم والرّسالات تحتاج إلى المعادن المذخورة، والثروات المنشورة، ولكنها تحتاج قبل ذلك إلى الرؤوس المفكرة التي تستغلها، والقلوب الكبيرة التي ترعاها والعزائم القوية التي تنفذها: إنّها تحتاج إلى الرّجال"

فالرّجال بتلك الصفات والسّمات أعزّ من كلّ معدن نفيس، وأغلى من كلّ جوهر ثمين، ولذلك كان وجودهم عزيزاً في دنيا النّاس، وكان حاجة الأمَّة إليهم ماسّة اليوم، هؤلاء هم الرّواحل الذين عناهم الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن عَبْد اللهِ بْنَ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يَقُول: ((إنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ الْمِائَةُ لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً)).

قال الخطابي: (الرَّاحلة فاعلة بمعنى مفعولة أي كلّها حمولة تصلح للحمل ولا تصلح للرّحل والركوب عليها).

وقال ابنُ قتيبة: (إنَّ الرَّاحلة هي النجيبة المختارة من الإبل للركوب فإذا كانت في إبل عُرفت).

ومن معاني الحديث ما ذكره الخطّابي بقوله: (إنَّ أكثر النّاس أهل نقص وأمَّا أهل الفضل فعددهم قليل جدّاً فهم بمنزلة الرّاحلة في الإبل الحمولة؛ ومنه قوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}).

ومن معاني الحديث أيضاً أنَّ النّاس في النسب كالإبل المائة التي لا راحلة فيها فهي مستوية.

وأشار ابنُ بطّال في شرحه للحديث إلى أنَّ المراد بالنّاس في الحديث من يأتي بعد القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وتابعيهم حيث يصيرون يخونون ولا يؤتمنون.

وقال القرطبي: (الذي يناسب التمثيل أنَّ الرّجل الجواد الذي يحمل أثقال النّاس والحمالات عنهم ويكشف كربهم عزيز الوجود كالرّاحلة في الإبل الكثيرة).

في ثنايا الأمنية العمرية وفي صُلب التمثيل النبويّ نحتاج إلى وقفات كأفراد وجماعات نفتّش فيها ونبحث عن سماتِ وصفاتِ الرّجال الرّواحل.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

لكنك عند الله غالٍ

طبيعة الحياة أنها مجبولة على كدرٍ لا تكاد تصفو لبشر، ولو أنها استقامت لأحد لكان …