فقاعات افتراضية

الرئيسية » خواطر تربوية » فقاعات افتراضية
فقاعة9

دبوس واحد يكفي لفقئ أكثر الفقاعات ضخامة، ثقبٌ واحد يمكنه أن يبعثر الهواء المتكدس بداخلها، ونظرة بشيء من الوعي يمكنها أن تكشف المستور مهما كان حائط الفقاعة غليظاً، سميكاً، ومصمتاً!

لحظة انفجار غير متوقعة:

انتشر قبل أيام على موقع (Youtube) العالمي مقطع فيديو يسجل قصة فتاة، مقطع حقق مئات آلاف المشاهدات في ساعات محدودة، نقل المقطع قصة حقيقية ترويها الفتاة بنفسها، ترويها بالصوت والصورة، ترويها باكية، فتحكي بحرقة، وتحكي بألم، وتحكي بندم...

لم تكن الفتاة قد تعرضت لابتزاز كما يمكن أن يتخيل البعض، ولا لفضائح، ولا تهديد... ولا لأي شيء من تلك الأمور التي قد تخطر ببال الشباب المطلع على العوالم الافتراضية والمتابع لجديدها ومعاييرها وعلامات الاستفهام والخبايا ولكل تفاصيلها عن كثب.

"نظرة بشيء من الوعي يمكنها أن تكشف المستور داخل فقاعة ما مهما كان حائط الفقاعة غليظاً، سميكاً، ومصمتاً"

تكتشف مع المتابعة أن هذه الفتاة هي إحدى نجمات موقع (Instagram) الخاص بالصور ومقاطع الفيديو القصيرة جداً، وصل عدد متابعيها إلى حوالي نصف مليون متابع، لكنها فجأة أغلقت حسابها الخاص عبر انستغرام، لتثير في نفوس متابعيها – على الأقل – الكثير من التساؤلات، وهي التي حققت بتزايد متابعيها رقماً يرجوه الملايين في بحر العوالم الافتراضية. لكنها خرجت بعد ذلك بالفيديو القنبلة، بعد أن قررت فجأة أن تضع يدها على مكان جرح لا تريد له أن ينز أكثر، فيؤلمها أكثر، وتتعذب بسببه أكثر.

قالت إنها أغلقت حسابها الشخصي هناك بعد أن اكتشفت مستوى التناقض الكبير الذي تعيش فيه وتتقلب وسطه وترتدي من الأقنعة ما شيء لها أن ترتدي في حياتها التي صوّرتها على أنها مجرد كذبة كبيرة، فهي تعرض الكثير من الصور التي تصنعها وتجمّلها وتملأها بالتفاصيل حتى تبدو ساحرة للأعين والقلوب، بينما هي ليست حقيقية ولا يمكن أن تكون أبعد من كونها تمثيلاً للسعادة والابتهاج والرضى!

قد يدعو هذا الفيديو البعض للشفقة، والبعض الآخر للتعاطف... ولكنني أسوق هذه القصة لأقول بوضوح: إنني أرى - وبشكل شخصيّ - أن البعض الذي يراجع حساباته بعد متابعة مثل هذه القصة، هو الفريق المتميّز؛ لأن الكذبات تقتل أصحابها مهما أبهرت غيرهم.

الوهج المحشوّ بالعتمة:

"الوهج الذي تخلقه الفقاعة يلتقط إشارات العيون فيصنع صوراً تليق بالانفعال الذي تبحث عنه، لكنه وهج محشوّ بالعتمة، الفراغ، والوحشة"

هذا الوهج الذي تخلقه الفقاعة يمكنه أن يعكس جمال ما حوله أحياناً، في أوقات أخرى يمكن لهذا الوهج أن يلتقط إشارات العيون فيصنع صوراً تليق بالانفعال الذي تبحث عنه العين، لكنه غالباً وهج محشوّ بالعتمة، بالفراغ، وبالوحشة...

القضية قد ترتبط بشكل كبير جداً بمسألة الفراغ العاطفي والنقص الذي يعتري الطبيعة الإنسانية، ومحاولة البحث الدائم الدائب عن المثالية والاكتمال، فيضيع الإنسان في هذه الدوامة، خاصة إن لم تلتقطه يد واعية، أو تشير أنملة راشدة إلى طريق السلامة في زحمة المتاهة.

بين الوهم الجميل، والحقيقة المؤلمة:

الحالمون يختارون الوهم الجميل في العادة، أما الواقعيون فيختارون الحقيقة وإن كانت مؤلمة، لكن بين هذين الاختيارين تقف ثلة قلوبها متصلة بعقولها تعرف كيف يمكنها أن تفكر بإحساس وتُعمل العقل على بساط من الروحانية. هذه الثلة غالباً لا تتطرف، لا تميل إلى العقل فتشتد دون لين قد يعرضها للكسر، ولا تميل للقلب فتصبح لينة لا يمكنها اتخاذ شكل محدد أبداً.

"وحده الصدق لن يخلق عقبات ولا نتوءات نعجز عن إزالتها أو إخفاء الندوب التي تخلفها على أرواحنا إن نحن نجحنا في إزالتها لاحقاً"

حتى أن ثمة فرقٌ جوهري بين أن تكون الفقاعة التي تعيش بداخلها وهمية/ افتراضية، وبين أن تكون حقيقية/ واقعية. فعلى الأقل حين ترى الفقاعات الحقيقية ذات الألوان المضيئة، والتي تتحول مع شدة لمعان العيون من حولها إلى أقواس مقلّمة من ألوان متعددة كقوس المطر، إنها حين تكون واقعية وحقيقية تنشر بهجة وإن استمرت لبضع ثوان أو جزء من الثانية، لكن الأخرى لا يمكن لانفجارها إلا أن يوجع.

لا يمكن – أخيراً - أن أنكر وجود فقاعة صناعية مقصودة تخفي وراءها سراً مغرياً، قد تحجبه عن الأنظار ظروف أو عادات أو حتى معايير قد تكون ظالمة، إلا أن الفقاعات هشة ومخيفة والافتراضية منها بالذات ينذر انفجارها بأمور غير محببة ولا مرغوبة ولا متخيلة أحياناً، لذلك تبقى الفقاعة فقاعة، ووحده الصدق لن يخلق عقبات ولا نتوءات نعجز عن إزالتها أو إخفاء الندوب التي تخلفها على أرواحنا إن نحن نجحنا في إزالتها لاحقاً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب – قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة – مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد – شعر) و (في ثنية ضفيرة – حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

لكنك عند الله غالٍ

طبيعة الحياة أنها مجبولة على كدرٍ لا تكاد تصفو لبشر، ولو أنها استقامت لأحد لكان …